صديق الحسيني القنوجي البخاري
512
فتح البيان في مقاصد القرآن
تغرب كل ليلة من المغرب ثم تطلع في آخرها من المشرق . قال : ابن حجر حكي الإجماع على أن السماوات مستديرة جمع وأقاموا عليه الأدلة وخالف في ذلك فرق يسيرة من أهل الجدل وقال ابن العربي : السماوات ساكنة لا حركة فيها جعلها اللّه ثابتة مستقرة هي لنا كالسقف للبيت ، ولهذا سماها السقف المرفوع . واستخرج أهل البديع من لفظ كل في فلك صنعة القلب ، ونحوه قوله تعالى : وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ [ المدثر : 3 ] والسبح السير بانبساط وسهولة ، والجمع باعتبار اختلاف مطالعهما فكأنهما متعددان أو المراد الشمس والقمر والكواكب ، ثم ذكر سبحانه وتعالى نوعا آخر مما امتن به على عباده من النعم فقال : وَآيَةٌ لَهُمْ ارتفاع آية على أنها خبر مقدم والمبتدأ أنا حملنا أو العكس ، أي علامة ودلالة ، وقيل : معنى آية هنا العبرة ، وقيل : النعمة ، وقيل النذارة ، وقد اختلف في معنى . أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ وإلى من يرجع الضمير لأن الضمير الأول وهو قوله : وآية لهم لأهل مكة أو لكفار العرب أو للكفار على الإطلاق الكائنين في عصر محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، فقيل : الضمير يرجع إلى القرون الماضية ، والمعنى : أن اللّه حمل ذرية القرون الماضية . فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ فالضميران مختلفان ، وهذا حكاه النحاس عن الأخفش ، وقيل : الضميران لكفار مكة ونحوهم ، والمعنى : أن اللّه حمل ذرياتهم من أولادهم وضعفائهم على الفلك فامتن اللّه عليهم بذلك ، أي أنهم يحملونهم معهم في السفن إذا سافروا أو يبعثون أولادهم للتجارة لهم فيها ، وإنما ذكر ذريتهم دونهم لأنه أبلغ في الامتنان عليه ، وأبلغ في التعجب من قدرته ، وقيل : الذرية الآباء والأجداد ، والفلك : هو سفينة نوح أي أن اللّه حمل آباء هؤلاء وأجدادهم في سفينة نوح . قال الواحدي : والذرية تقع على الآباء كما تقع على الأولاد ، قال أبو عثمان : وسمي الآباء ذرية لأن منهم ذرء الأبناء وقيل الذرية النطف الكائنة في بطون النساء ، وشبه البطون بالفلك المشحون . قاله علي بن أبي طالب ذكره الماوردي والراجح القول الثاني ثم الأول ثم الثالث ، وأما الرابع : ففي غاية البعد والنكارة وقد تقدم الكلام في الذرية واشتقاقها في سورة البقرة مستوفى . وقيل : إن الضمير في قوله لَهُمْ يرجع إلى العباد المذكورين في قوله يا حسرة على العباد ، لأنه قال بعد ذلك : وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ ، وقال : وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ ، ثم قال : وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ ، فكأنه قال : وآية للعباد أنا حملنا ذريات العباد ، ولا يلزم أن يكون المراد بأحد الضميرين البعض منهم ، وبالضمير الآخر البعض الآخر وهذا قول حسن . والمشحون : المملوء الموقر ، والفلك يطلق على الواحد والجمع كما تقدم في يونس .