صديق الحسيني القنوجي البخاري

508

فتح البيان في مقاصد القرآن

قال الفراء : يرمي بالنهار على الليل فيأتي بالظلمة ، وذلك أن الأصل هي الظلمة والنهار داخل عليه ، فإذا غربت الشمس سلخ النهار من الليل أي كشط وأزيل فتظهر الظلمة ، وظاهره يشعر بأن النهار طارىء على الليل ، قال المرزوقي في الآية : دلت على أنه الليل قبل النهار لأن المسلوخ منه يكون قبل المسلوخ كما أن المغطى قبل الغطاء ، لكن كلامه في سورة الرعد مؤذن بأن بين الليل والنهار توالجا وتداخلا ، قال تعالى : يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ [ الزمر : 5 ] . [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 38 إلى 39 ] وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 38 ) وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ( 39 ) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها يحتمل أن تكون الواو للعطف على الليل والتقدير : وآية لهم الشمس ، ويجوز أن تكون ابتدائية ، والشمس مبتدأ وما بعدها الخبر ، ويكون الكلام مستأنفا مشتملا على ذكر آية مستقلة . قيل : وفي الكلام حذف ، والتقدير تجري لمجرى مستقر لها أي تنتهي في سيرها لأجل مستقر لها . وقيل : اللام بمعنى إلى ، قيل : والمراد بالمستقر يوم القيامة فعنده تستقر فلا تبقى لها حركة ، وقيل : مستقرها هو أبعد ما تنتهي إليه ولا تجاوزه ، وقيل : نهاية ارتفاعها في الصيف ، ونهاية هبوطها في الشتاء ، وقيل : مستقرها تحت العرش لأنها تذهب إلى هنالك فتسجد فتستأذن في الرجوع فيؤذن لها ، وهذا هو الراجح . وقال الحسن : إن للشمس في السنة ثلاثمائة وستين مطلعا تنزل في كل يوم مطلعا ، ثم لا تنزل إلى الحول ، فهي تجري في تلك المنازل وهو مستقرها . وقيل : إن الشمس في الليل تسير وتشرق على عالم آخر من أهل الأرض ، وإن كنا لا نعرفه ، ويؤيد هذا القول ما قاله الفقهاء في باب المواقيت . كالشمس الرملي من أن الأوقات الخمسة تختلف باختلاف الجهات والنواحي فقد يكون المغرب عندنا عصرا عند آخرين ، ويكون الظهر صبحا عند آخرين ، وهكذا ، وقيل غير ذلك ، وقرىء لا مستقر لها بلا التي لنفي الجنس ، وبناء مستقر على الفتح وقرىء لا مستقر ، بلا التي بمعنى ليس ، ومستقر اسمها ولها خبرها . ذلِكَ أي ذلك الجري على ذلك الحساب الذي يكلّ النظر عن استخراجه وتتحير الأفهام عن استنباطه تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ أي الغالب القاهر بقدرته على كل مقدور الْعَلِيمِ أي المحيط علمه بكل شيء ، ويحتمل أن تكون الإشارة راجعة إلى المستقر أي ذلك المستقر تقدير اللّه . أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي ذر قال : سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن