صديق الحسيني القنوجي البخاري

507

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقرىء ثمره بضمتين وبفتحتين وهما سبعيتان وقرأ الأعمش بضم الثاء وإسكان الميم ، وقد تقدم الكلام على هذا في الأنعام . وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أي ليأكلوا من ثمره ويأكلوا مما عملته أيديهم كالعصير والدبس ونحوهما وكذلك ما غرسوه وحفروه وعالجوه على أن ( ما ) موصولة . وفيه تجوز على هذا . وقيل : هي نافية ، والمعنى لم يعملوه بل العامل له هو اللّه عز وجل أي وجدوها معمولة ولا صنع لهم فيها وهو قول الضحاك ومقاتل . وقيل : إنها نكرة موصوفة والكلام فيها كالذي في الموصولة ، وقيل إنها مصدرية أي ومن عمل أيديهم والمصدر واقع موقع المفعول به فيعود المعنى إلى معنى الموصولة أو الموصوفة . وعن ابن عباس في الآية قال : « وجدوها معمولة لم تعملها أيديهم » يعني الفرات ودجلة ونهر بلخ وأشباهها أَ فَلا يَشْكُرُونَ الاستفهام للتقريع والتوبيخ لهم بعدم شكرهم للنعم المعدودة والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي : أيرون هذه النعم ؟ أو أيتنعمون بها فلا يشكرونها ؟ . سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مستأنفة مسوقة لتنزيهه سبحانه عما وقع منهم من ترك الشكر لنعمه المذكورة والتعجب من إخلالهم بذلك وقد تقدم الكلام مستوفى في معنى سبحان ؛ وهو في تقدير الأمر للعباد بأن ينزهوه عما لا يليق به ؛ والأزواج الأنواع والأصناف فكل زوج صنف لأنه مختلف في الألوان والطعوم والاشكال والصغر والكبر فاختلافها هو ازدواجها قال قتادة يعني الذكر والأنثى مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ بيان للأزواج والمراد كل ما نبت فيها من الأشياء المذكورة وغيرها لأنه أصناف . وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ أي خلق الأزواج من أنفسهم وهم الذكور والإناث وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ من أصناف خلقه في البر والبحر والسماء والأرض في الأودية والبحار أشياء لا يعلمها الناس ؛ ولم يطلعهم اللّه عليها ، ولا توصلوا إلى معرفتها ووجه الاستدلال في هذه الآية أنه إذا انفرد بالخلق فلا ينبغي أن يشرك به . وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ الكلام في هذا كما قدمنا في قوله وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ [ يس : 33 ] الخ والمعنى أن ذلك علامة دالة على توحيد اللّه وقدرته ، ووجوب إلهية . والسلخ الكشط والنزع ، يقال : سلخه اللّه من بدنه ، ثم يستعمل بمعنى الإخراج فجعل سبحانه ذهاب الضوء ومجيء الظلمة كالسلخ من الشيء وهو استعارة بليغة . فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ أي داخلون في الظلام مفاجأة وبغتة . يقال : أظلمنا أي دخلنا في ظلام الليل ، وأظهرنا دخلنا في وقت الظهر ، وكذلك أصبحنا وأمسينا ، وقيل منه بمعنى عنه . والمعنى نسلخ عنه ضوء النهار فإذا هم في ظلمة لأن ضوء النهار يتداخل في الهواء فيضيء ، فإذا خرج منه أظلم .