صديق الحسيني القنوجي البخاري

499

فتح البيان في مقاصد القرآن

شمعون ، وكان من الحواريين وكانت الفترة التي لم يبعث اللّه فيها رسولا أربعمائة سنة وأربعا وثلاثين سنة أخرجه ابن سعد وابن عساكر . فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ أي قال الثلاثة جميعا ؛ وجاؤوا بكلامهم هذا مؤكدا لسبق التكذيب للاثنين والتكذيب بهما تكذيب للثالث لأنهم أرسلوا جميعا بشيء واحد وهو الدعاء إلى اللّه عز وجل ، وهذه الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل : ما قال هؤلاء الرسل بعد التعزيز لهم بثالث ؟ وكذلك جملة : [ سورة يس ( 36 ) : الآيات 15 إلى 19 ] قالُوا ما أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ ( 15 ) قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ( 16 ) وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 17 ) قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ ( 18 ) قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَ إِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ( 19 ) قالُوا ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا فإنها مستأنفة ، كأنه قيل : فما قال لهم أهل أنطاكية ؟ فقيل : قالُوا ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا أي مشاركون لنا في البشرية فليس لكم مزية علينا تختصون بها ، والخطاب للثلاثة ، ثم صرحوا بجحود إنزال الكتب السماوية فقالوا : وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ مما تدعونه أنتم ويدعيه غيركم ممن قبلكم من الرسل وأتباعهم إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ في دعوى ما تدعون من ذلك . قالُوا أي فأجابوهم بإثبات رسالتهم بكلام مؤكد تأكيدا بليغا لتكرر الإنكار من أهل أنطاكية ، وهو قولهم : رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ فأكدوا الجواب بالقسم الذي يفهم من قولهم ربنا يعلم وبأن وباللام . قال الزمخشري : ووجه التكرار أن الأول ابتداء إخبار ، والثاني جواب عن إنكار انتهى ، وهذا مخالف لما في المفتاح من أنهم أكدوا في المرة الأولى لأن تكذيب الاثنين تكذيب للثالث لاتحاد المقالة ، فلما بالغوا في تكذيبهم زادوا التأكيد ، وما ذهب إليه الزمخشري نظرا إلى أن مجموع الثلاثة لم يسبق منهم إخبار ولا تكذيب لهم في المرة الأولى ، فالتأكيد فيها للاعتناء والاهتمام بالخبر . انتهى ، قاله الشهاب . وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ أي ما يجب علينا من جهة ربنا إلا تبليغ رسالته على وجه الظهور والوضوح بالأدلة الواضحة . وهي إبراء الأكمه والأبرص والمريض ، وإحياء الميت ، وليس علينا غير ذلك ، وهذه جملة مستأنفة كالتي قبلها ، وكذلك جملة : قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ فإنها مستأنفة جوابا عن سؤال مقدر ، أي إنا تشاءمنا بكم لانقطاع المطر عنا بسببكم . لم يجدوا جوابا يجيبون به على الرسل إلا هذا الجواب ، المبني على الجهل ، المنبىء عن الغباوة العظيمة وعدم وجود حجة يدفعون الرسل