صديق الحسيني القنوجي البخاري

500

فتح البيان في مقاصد القرآن

بها ، وعادة الجهال أن يتيمنوا بكل شيء مالوا إليه وقبلته طباعهم ، ويتشاءموا بما نفروا عنه وكرهوه ، فإن أصابهم بلاء أو نعمة قالوا بشؤم هذا وبركة هذا . قال مقاتل : حبس عنهم المطر ثلاث سنين فقالوا : هذا بشؤمكم . قيل : إنهم أقاموا ينذرونهم عشر سنين ، وقيل : إنما تطيروا لما بلغهم من أن كل نبي إذا دعا قومه فلم يجيبوه كان عاقبتهم الهلاك ، وأصل التطير التفاؤل بالطير ، فإنهم كانوا يزعمون أن الطائر السانح سبب للخير ، والبارح سبب للشر ، ثم استعمل في كل ما يتشاءم به . وفي المختار : وطائر الإنسان عمله الذي قلده ، والطير أيضا الاسم من التطير ومنه قولهم : لا طير إلا طير اللّه وتطير من الشيء وبالشيء والاسم الطيرة بوزن عنبة ، وهو ما يتشاءم به من الفأل الرديء . وفي الحديث : « أنه كان يحب الفأل ويكره الطيرة » « 1 » ، وقوله تعالى : قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ أصله تطيرنا فأدغم ، ثم رجعوا إلى التجبر والتكبر لما ضاقت صدورهم ، وأعيتهم العلل فقالوا : لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا اللام للقسم ، أي واللّه لئن لم تتركوا هذه الدعوى وتعرضوا عن هذه المقالة : لَنَرْجُمَنَّكُمْ بالحجارة ، قال الفراء : عامة ما في القرآن من الرجم المراد به القتل ، وقال قتادة : هو على بابه من الرجم بالحجارة . وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ أي شديد فظيع ، وقيل : معناه التحريق بالنار أو القتل ، وقيل : الشتم ، وقيل : هو التعذيب المؤلم من غير تقييد بنوع خاص ، وهذا هو الظاهر لكنهم حنثوا في هذا القسم لأنهم لم يتمكنوا من بره لإهلاك اللّه لهم . ثم أجاب عليهم الرسل دفعا لما زعموه من التطير بهم و قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أي شؤمكم معكم من جهة أنفسكم لازم في أعناقكم ، وليس هو من شؤمنا . قال الفراء : طائركم أي رزقكم وقدركم وعملكم ، وبه قال قتادة ، وقرأ الجمهور : طائِرُكُمْ اسم فاعل . أي ما طار لكم من الخير والشر ، وقرأ الحسن : اطيركم أي تطيركم . أَ إِنْ ذُكِّرْتُمْ قرىء بهمزة استفهام بعدها إن الشرطية على الخلاف بينهم في التسهيل والتخفيف وإدخال ألف بين الهمزتين وعدمه ، وقرىء بهمزتين مفتوحتين وقرىء أين على صيغة الظرف . واختلف سيبويه ويونس إذا اجتمع استفهام وشرط أيهما يجاب ؟ فذهب سيبويه إلى أنه يجاب بالاستفهام ، وذهب يونس إلى أنه يجاب بالشرط ، وعلى القولين فالجواب هنا محذوف ، أي أئن ذكرتم ووعظتم وخوفتم فتطيرتم لدلالة ما تقدم عليه

--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة في الطب باب 43 ، وأحمد في المسند 2 / 332 .