صديق الحسيني القنوجي البخاري

488

فتح البيان في مقاصد القرآن

الزجاج أو كراهة أن تزولا وقيل لئلا تزولا ، والجملة مستأنفة لبيان قدرة اللّه سبحانه وبديع صنعه بعد بيان ضعف الأصنام وعدم قدرتها على شيء ، وقيل : المعنى أن شركهم يقتضي زوال السماوات والأرض كقوله : تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً [ مريم : 90 ، 91 ] . وعن أبي هريرة قال : سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول على المنبر : « قال وقع في قلب موسى هل ينام اللّه عز وجل ؟ فأرسل اللّه إليه ملكا فأرّقه ثلاثا وأعطاه قارورتين في كل يد قارورة وأمره أن يحتفظ بهما فجعل ينام وتكاد يداه تلقيان ، ثم يستيقظ فيحبس إحداهما على الأخرى حتى نام نومة فاصطفقت يداه وانكسرت القارورتان . قال ضرب اللّه له مثلا : إن اللّه تبارك وتعالى لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض » أخرجه أبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والدارقطني والبيهقي في الأسماء والصفات وغيرهم وروي من طرق عن ابن سلام وابن أبي بردة . وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ أي ما أمسكهما أحد من بعد إمساكه أو من بعد زوالهما ، والجملة سادة مسد جواب القسم والشرط ومن الأولى زائدة والثانية ابتدائية . قال الفراء أي ولو زالتا ما أمسكهما من أحد ، قال وهو مثل قوله : وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ [ الروم : 51 ] ، وقيل : المراد زوالهما يوم القيامة إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً تعليل لما قبله من إمساكه تعالى السماوات والأرض . وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ المراد قريش أقسموا قبل أن يبعث اللّه محمدا صلّى اللّه عليه وسلم بهذا القسم حين بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم ، قالوا : لعن اللّه اليهود والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم وأقسموا باللّه لو جاءنا نذير لنكونن أهدى دينا منهم فلما بعث محمد صلّى اللّه عليه وسلم كذبوه فأنزل اللّه هذه الآية والمعنى من إحدى الأمم المكذبة للرسل ، والنذير : النبي . والهدى : الاستقامة ، وكانت تتمنى أن يكون منهم رسول كما كان الرسل في بني إسرائيل ، وأنث إحدى لكون أمة مؤنثة كما قال الأخفش ، وقيل : المعنى من إحدى الأمم على العموم ، وقيل : من الأمة التي يقال لها إحدى الأمم تفضيلا لها . فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ أي ما تمنوه وهو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الذي هو أشرف نذير وأكرم رسول وكان من أنفسهم ما زادَهُمْ مجيئه إِلَّا نُفُوراً منهم عنه وتباعدا عن إجابته . اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ أي لأجل الاستكبار والعتو ، أو بدل من نفور أو حال ، قاله الأخفش ، وهذا جواب لما ، وفيه دليل على أنها حرف لا ظرف ، إذ لا يعمل ما بعد فَلَمَّا النافية فيما قبلها وتقدمت له نظائر ، وإسناد الزيادة إلى النذير مجاز لأنه سبب في ذلك كقوله : فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ [ التوبة : 125 ] .