صديق الحسيني القنوجي البخاري
489
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَمَكْرَ السَّيِّئِ أي ولأجل مكر العمل السئ ، أو منكروا المكر السئ والمكر هو الحيلة والخداع والعمل القبيح ، وأضيف إلى صفته كقولهم : مسجد الجامع وصلاة الأولى قرأ الجمهور : وَمَكْرَ السَّيِّئِ بخفض همزة السئ ، وقرأ الأعمش وحمزة : بسكونها وصلا ، وقد غلط كثير من النحاة هذه القراءة ونزهوا الأعمش على جلالته أن يقرأ بها . قالوا : وإنما كان يقف بالسكون فغلط من روى عنه أنه كان يقرأ بالسكون وصلا ، وتوجيه هذه القراءة ممكن بأن من قرأ بها أجرى الوصل مجرى الوقف ، ومثله قراءة من قرأ : ما يُشْعِرُكُمْ بسكون الراء ومثل ذلك قراءة أبي عمر : وإلى بارئكم بسكون الهمزة . وغير ذلك كثير قال أبو علي الفارسي : هذا على إجراء الوصل مجرى الوقف وقرأ ابن مسعود ومكرا سيئا . وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ أي لا تنزل عاقبة السوء إلا بمن أساء قال الكلبي : يحيق بمعنى يحيط ، والحوق الإحاطة . يقال : حاق به كذا أي أحاط به ، وهذا هو الظاهر من معنى يحيق في لغة العرب ولكن قطرب فسره هنا بينزل . فَهَلْ يَنْظُرُونَ أي ما ينتظرون إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ أي سنة اللّه فيهم بأن ينزل بهؤلاء العذاب كما نزل بأولئك فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا أي لا يقدر أحد أن يبدل سنة اللّه التي سنها بالأمم المكذبة من إنزال عذابه بهم ، بأن يضع موضعه غيره بدلا عنه ، والفاء لتعليل ما يفيده الحكم بانتظارهم العذاب . وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا بأن يحول أحد ما جرت به سنة اللّه من العذاب فيدفعه عنهم ويضعه على غيرهم ونفي وجدان التبديل والتحويل كناية عن نفي وجودهما بالطريق البرهاني ، وتخصيص كل منهما بنفي مستقل لتأكيد انتفائهما . [ سورة فاطر ( 35 ) : الآيات 44 إلى 45 ] أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً ( 44 ) وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً ( 45 ) أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ هذه الجملة مسوقة لتقرير ما قبلها وتأكيده أي : ألم يسيروا في أرض الشام واليمن والعراق فينظروا ما أنزلنا بعاد وثمود ومدين وأمثالهم من العذاب لما كذبوا الرسل فإن ذلك هو من سنة اللّه في المكذبين التي لا تبدل ولا تحول وآثار عذابهم وما أنزل اللّه بهم موجودة في مساكنهم ظاهرة في منازلهم ، والهمزة للإنكار أو النفي ، والواو للعطف على مقدر يليق بالمقام .