صديق الحسيني القنوجي البخاري

487

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَساراً أي نقصا وهلاكا ، والمعنى أن الكفر لا ينفع عند اللّه حيث لا يزيدهم إلا المقت ولا ينفعهم في أنفسهم حيث لا يزيدهم إلا خسارا والتكرير لزيادة التكرير ، والتنبيه على أن اقتضاء الكفر لكل واحد من الأمرين الهائلين القبيحين بطريق الاستقلال والأصالة . ثم أمره سبحانه أن يوبخهم ويبكتهم فقال : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ أي أخبروني عن الشركاء الذين اتخذتموهم آلهة وعبدتموههم مِنْ دُونِ اللَّهِ أي غيره وهم الأصنام وغيرها أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ بدل اشتمال من أرأيتم والمعنى : أخبروني عن شركائكم أروني أي شيء خلقوا من الأرض ، وقيل : إن الفعلين وهما أرأيتم وأروني من باب التنازع ، وقد أعمل الثاني على ما هو اختيار البصريين . أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أي أم لهم شركة مع اللّه في خلقها أو ملكها أو التصرف فيها ؟ حتى يستحقوا بذلك الشركة في الإلهية . أَمْ آتَيْناهُمْ الضمير فيه وفي قوله لهم : الأحسن أن يعود إلى الشركاء لتناسق الضمائر ، وقيل : يعود على المشركين فيكون التفاتا من الخطاب إلى الغيبة أي : أم أنزلنا عليهم كِتاباً بالشركة وأم في الموضعين منقطعة بمعنى : بل والهمزة فيكون قد أضرب عن الاستفهام الأول ، وشرع في استفهام آخر ، والاستفهام إنكاري . فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ أي على حجة ظاهرة واضحة من ذلك الكتاب قرىء : بينة بالتوحيد وبالجمع ، قال مقاتل : يقول هل أعطينا كفار مكة كتابا فهم على بيان بأن مع اللّه شريكا ، ثم أضرب سبحانه عن هذا إلى غيره فقال : بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلَّا غُرُوراً أي ما يعد الظالمون بعضهم بعضا - كما يفعله الرؤساء والقادة من المواعيد لأتباعهم - إلا غرورا يغرونهم به ، ويزينونه لهم ، وهو الأباطيل التي تغر ولا حقيقة لها ، وذلك قولهم : إن هذه الآلهة تنفعهم وتقربهم إلى اللّه وتشفع لهم عنده ، وقيل : إن الشياطين تعد المشركين بذلك : وقيل : المراد بالوعد الذي يعد بعضهم بعضا هو أنهم ينصرون على المسلمين ويغلبونهم . [ سورة فاطر ( 35 ) : الآيات 41 إلى 43 ] إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً ( 41 ) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً ( 42 ) اسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً ( 43 ) إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا أي يمنعهما من الزوال قاله