صديق الحسيني القنوجي البخاري

486

فتح البيان في مقاصد القرآن

ابن عباس في هذه الآية : هو ست وأربعون سنة ، وعنه قال : العمر الذي أعذر اللّه إلى ابن آدم فيه بقوله : أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ؟ أربعون سنة . وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ قال الواحدي قال جمهور المفسرين : هو النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وقال عكرمة وسفيان بن عيينة ووكيع والحسن بن الفضل والفراء وابن جرير : هو الشيب ويكون معناه على هذا القول : أو لم نعمركم حتى شبتم وقيل هو القرآن ، وقيل الحمى قال الأزهري معناه أن الحمى رسول الموت أي كأنها تشعر بقدومه وتنذر بمجيئه والشيب نذير أيضا ، لأنه يأتي في سن الاكتهال ، وهو علامة لمفارقة سن الصبا الذي هو سن اللهو واللعب ، وقيل : هو موت الأهل والأقارب ، وقيل : هو كمال العقل ، وقيل : البلوغ . فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ الفاء لترتيب الأمر بالذوق على ما قبلها من التعمير ، ومجيء النذير ، وفي « فما » للتعليل أي فذوقوا عذاب جهنم لأنكم لم تعتبروا ولم تتعظوا فما لكم ناصر يمنعكم من عذاب اللّه ، ويحول بينكم وبينه قال مقاتل : فذوقوا فما للمشركين من مانع يمنعهم . إِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قرأ الجمهور بالإضافة وقرىء بالتنوين ونصب غيب والمعنى : أنه عالم بكل شيء . ومن ذلك أعمالكم لا تخفى عليه منه خافية لو ردكم إلى الدنيا لم تعملوا صالحا كما قال : وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ [ الأنعام : 28 ] . إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ تعليل لما قبله لأنه إذا علم مضمرات الصدور وهي أخفى من كل شيء علم ما فوقها بالأولى ، وقيل : هذه الجملة مفسرة للجملة الأولى ، ( وذات ) تأنيث ( ذو ) بمعنى صاحب أي بالأمور صاحبة الصدور ، ومصاحبتها لها من حيث اختباؤها فيها . [ سورة فاطر ( 35 ) : الآيات 39 إلى 40 ] هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَساراً ( 39 ) قُلْ أَ رَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً ( 40 ) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ جمع خليفة ، ويقال للمستخلف : خليفة وخليف ، ويجمع الأول على خلائف والثاني على خلفاء أي جعلكم أمة خالفة لمن قبلها . قال قتادة : خلفا بعد خلف وقرنا بعد قرن ، والخلف هو التالي للمتقدم ، وقيل : جعلكم خلفاء في أرضه . فَمَنْ كَفَرَ منكم هذه النعمة فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ أي عليه ضرر كفره لا يتعداه إلى غيره وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتاً أي غضبا وبغضا .