صديق الحسيني القنوجي البخاري

467

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ [ الرعد : 39 ] ، وقد قدمنا في تفسيرها ما يزيد ما ذكرنا هنا وضوحا وبيانا . قال ابن عباس في الآية يقول : ليس أحد قضيت له طول العمر والحياة إلا وهو بالغ ما قدرت له من العمر وقد قضيت له ذلك فإنما ينتهي إلى الكتاب الذي قدرت له لا يزاد عليه ، وليس أحد قضيت عليه أنه قصير العمر والحياة ببالغ العمر ، ولكن ينتهي إلى الكتاب الذي كتب له فذلك قوله : ولا ينقص من عمره إلا في كتاب ، يقول : كل ذلك في كتاب عنده . وأخرج أحمد ومسلم وأبو عوانة وابن حبان والطبراني وابن المنذر وابن أبي حاتم عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال : « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أو بخمس وأربعين ليلة ، فيقول : أي رب أشقي أم سعيد ؟ أذكر أم أنثى ؟ فيقول اللّه ويكتبان ، ثم يكتب عمله ورزقه وأجله وأثره ومصيبته ، ثم تطوى الصحيفة فلا يزاد فيها ولا ينقص منها » « 1 » . وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والنسائي وأبو الشيخ عن ابن مسعود قال قالت أم حبيبة : اللهم امتعني بزوجي النبي ، وبأبي سفيان ، وبأخي معاوية ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إنك سألت اللّه لآجال مضروبة ، وأيام معدودة ، وأرزاق مقسومة ، ولن يجعل اللّه شيئا قبل حله أو يؤخر شيئا ولو كنت سألت اللّه أن يعيذك من عذاب في النار أو عذاب في القبر كان خيرا وأفضل » « 2 » . وهذه الأحاديث مخصصة بما ورد من قبول الدعاء ، وأنه يعتلج هو والقضاء ، وبما ورد في صلة الرحم أنها تزيد في العمر فلا معارضة بين الأدلة كما قدمنا . إِنَّ ذلِكَ أي ما سبق من الخلق وما بعده عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لا يصعب عليه منه شيء ، ولا يعزب عنه كثير ولا قليل ، ولا كبير ولا صغير ، ثم ذكر سبحانه نوعا آخر من بديع صنعه ، وعجيب قدرته ، فقال : [ سورة فاطر ( 35 ) : الآيات 12 إلى 13 ] وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 12 ) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ ( 13 ) وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا أي أحدهما عَذْبٌ فُراتٌ شديد العذوبة سائِغٌ

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في القدر حديث 2 ، وأحمد في المسند 4 / 7 . ( 2 ) أخرجه مسلم في القدر حديث 32 ، 33 ، وأحمد في المسند 1 / 390 ، 413 ، 433 ، 445 ، 466 .