صديق الحسيني القنوجي البخاري
468
فتح البيان في مقاصد القرآن
شَرابُهُ مريء يسهل انحداره في الحلق لعذوبته وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ شديد الملوحة ، وقيل هو الذي يحرق الحلق بملوحته فالمراد بالبحرين : العذب والمالح ، فالعذب الفرات : الحلو ، والأجاج : المر ، وقرىء سيغ مشددا وقرىء ملح بفتح الميم ، وقيل : المقصود من الآية ضرب مثل ضربه اللّه تعالى للمؤمن والكافر . وَمِنْ كُلٍّ منهمّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وهو ما يصاد منهما من حيواناتهما التي تؤكل ، وهذا وما بعد ذلك إما استطرادا في صفة البحرين وما فيهما من النعم والمنافع ، وإما تكملة للتمثيل ، والمعنى كما أنهما وإن اشتركا في بعض الفوائد لا يتساويان من حيث إنهما متفاوتان فيما هو المقصود بالذات من الماء ، لما خالط أحدهما ما أفسده ، وغيره عن كمال فطرته ، كذلك لا يساوي الكافر المؤمن ، وإن شاركه في بعض الصفات كالشجاعة والسخاوة ونحوهما لتباينهما فيما هو الخاصية العظمى لبقاء أحدهما على فطرته الأصلية وحيازته لكماله اللائق دون الآخر ، أو تفضيل للأجاج على الكافر من حيث إنه يشارك العذب في منافع كثيرة ، والكافر خلو من المنافع بالكلية على طريقة قوله تعالى : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [ البقرة : 74 ] الخ . قاله أبو السعود وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً وهي اللؤلؤ والمرجان ، وهو صغار اللؤلؤ ، وقال الطرطوشي : هو عروق حمر تطلع من البحر كأصابع الكف وهكذا شاهدناه بمغارب الأرض كثيرا انتهى . والظاهر أن المعنى وتستخرجون منهما حلية ، وقال المبرد : إنما تستخرج الحلية من المالح ، وروي عن الزجاج أنه قال : إنما تستخرج الحلية منهما إذا اختلطا لا من كل واحد منهما على انفراده ورجح النحاس قول المبرد ، ومعنى . تَلْبَسُونَها تلبسون كل شيء منها بحسبه ، كالخاتم في الأصبع ، والسوار في الذراع ، والقلادة في العنق والخلخال في الرجل ، ومما يلبس حلية السلاح الذي يحمل كالسيف والدرع ونحوهما . وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ أي في كل واحد من البحرين ، وقال النحاس : الضمير يعود إلى المالح خاصة ولولا ذلك لقال : فيهما مَواخِرَ يقال : مخرت السفينة تمخر إذا شقت الماء بجريها فيه فالمعنى : وترى السفن في البحرين شواق للماء . بعضها مقبلة وبعضها مدبرة ، بريح واحدة ، وقد تقدم الكلام على هذا في سورة النحل لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ أي فعل ذلك لتبتغوا ، قال مجاهد ابتغاء الفضل هو التجارة في البحر إلى البلدان البعيدة في المدة القريبة كما تقدم في البقرة . وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ اللّه على ما أنعم به عليكم من ذلك . يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ أي يضيق بعض أجزائهما إلى