صديق الحسيني القنوجي البخاري

464

فتح البيان في مقاصد القرآن

معناه من كان يريد أن يعلم لمن العزة فإنها للّه جميعا ، وقال قتادة : من كان يريد العزة فليتعزز بطاعة اللّه ، فجعل معنى للّه العزة الدعاء إلى طاعة من له العزة كما يقال : من أراد المال فالمال لفلان ، أي فليطلبه من عنده ، وقال الزجاج : تقديره من كان يريد بعبادة اللّه العزة فالعزة له سبحانه ، فإن اللّه عز وجل يعزه في الدنيا والآخرة . وقيل : المراد به المشركون فإنهم كانوا يتعززون بعبادة الأصنام كقوله : وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا [ مريم : 81 ] ، وقيل : المراد الذين كانوا يتعززون بهم من الذين آمنوا بألسنتهم الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة ؟ والظاهر في معنى الآية : أن من كان يريد العزة ويطلبها فليطلبها من اللّه عز وجل فلله العزة جميعا ليس لغيره منها شيء ، فتشمل الآية كل من طلب العزة ، ويكون المقصود بها التنبيه لذوي الأقدار والهمم من أين تنال العزة وتستحق ، ومن أي جهة تطلب فتكون الألف واللام للاستغراق ، وهو المفهوم من آيات هذه السورة . إِلَيْهِ تعالى لا إلى غيره يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ الصعود هو الحركة إلى فوق وهو العروج أيضا وموضع الثواب فوق ، وموضع العذاب أسفل ، ومعنى صعوده إليه قبوله له ، أو صعود الكتبة من الملائكة بما يكتبونه من الصحف ، وخص الكلم الطيب بالذكر لبناء الثواب عليه ، وهو يتناول كل كلام يتصف بكونه طيبا من ذكر اللّه وأمر بمعروف ونهى عن منكر وتلاوة وغير ذلك ، فلا وجه لتخصيصه بكلمة التوحيد أو بالتحميد والتمجيد ، وقيل : المراد بصعوده صعوده إلى سماء الدنيا ، وقيل : يصعد إلى سمائه والمحل الذي لا يجري فيه لأحد غيره حكم ، وفي دليل على علوّه تعالى فوق الخلق وكونه بائنا عنه بذاته الكريمة ، كما تدل له الآيات الأخرى الصريحة والأحاديث المستفيضة الصحيحة ، وقيل : المراد بصعوده علم اللّه به والأولى ما ذكرناه آنفا . وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ أي يرفع الكلم الطيب كما قال الحسن وشهر بن حوشب وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة وأبو العالية والضحاك ، ووجهه : أنه لا يقبل الكلم الطيب إلا مع العمل الصالح . وقيل : إن فاعل يرفعه هو الكلم الطيب ، ومفعوله العمل الصالح ، ووجهه أن العمل الصالح لا يقبل إلا مع التوحيد والإيمان ، وقيل : إن فاعل يرفعه ضمير يعود إلى اللّه عز وجل ، والمعنى أن اللّه يرفع العمل الصالح على الكلم الطيب ، لأن العمل يحقق الكلام ، وقيل : العمل الصالح يرفع صاحبه وهو الذي أراد العزة ، وقال قتادة : المعنى أن اللّه يرفع العمل الصالح لصاحبه أي يقبله فيكون قوله والعمل الصالح مبتدأ وخبره يرفع ، وكذا على قول من قال يرفع صاحبه ، قرأ الجمهور يَصْعَدُ من صعد الثلاثي ، والكلم بالرفع على الفاعلية ، وقرأ علي وابن مسعود يصعد بضم حرف المضارعة من أصعد ، والكلم بالنصب على المفعولية ، وقرأ الضحاك على البناء للمفعول وقرأ الجمهور الْكَلِمُ وقرأ أبو عبد الرحمن الكلام وقرأوا الْعَمَلُ بالرفع