صديق الحسيني القنوجي البخاري

463

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ قرأ الجمهور بالجمع وقرىء : الريح بالأفراد وهي سبعية عن ابن مسعود قال : يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض فينفخ فيه فلا يبقى خلق اللّه في السماوات والأرض إلا من شاء اللّه إلا مات ثم يرسل اللّه من تحت العرش منيا كمني الرجال فتنبت أجسامهم ولحومهم من ذلك الماء كما تنبت الأرض من الثرى ، ثم قرأ هذه الآية . فَتُثِيرُ سَحاباً جاء بالمضارع بعد الماضي استحضارا لتلك الصورة البديعة الدالة على كمال القدرة والحكمة لأن ذلك أدخل في اعتبار المعتبرين . والمعنى : أنها تزعجه وتحركه من حيث هو . فَسُقْناهُ فيه التفات عن الغيبة ، وقال أبو عبيدة : سبيله فتسوقه لأنه قال : فتثير سحابا . قيل : النكتة في التعبير بالماضيين بعد المضارع الدلالة على التحقق إِلى بَلَدٍ هو يذكر ويؤنث والبلدة البلد مَيِّتٍ أي أرض ليس بها نبات ولا مرعى . قال المبرد : ميت وميت واحد ، وقال : هذا قول البصريين . فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ أي أحيينا بالمطر النازل منه الأرض بإنبات النبات فيها ، وإن لم يتقدم ذكر المطر فالسحاب يدل عليه ، أو أحيينا بالسحاب لأنه سبب المطر بَعْدَ مَوْتِها أي بعد يبسها استعار الإحياء للنبات والموت لليبس . كَذلِكَ النُّشُورُ أي كذلك يحيي اللّه العباد بعد موتهم كما أحيا الأرض بعد موتها والنشور والبعث من نشر الإنسان نشورا أي مثل إحياء موات الأرض في صحة المقدور به وسهولة التأتي إحياء الأموات إذ ليس بينهما إلا احتمال اختلاف المادة في المقيس عليه ، وذلك لا مدخل له فيها فكيف تنكروه ؟ ، وقد شاهدتم غير مرة ما هو مثله وشبيه به . عن أبي رزين العقيلي قال : قلت : « يا رسول اللّه كيف يحيي اللّه الموتى ؟ قال أما مررت بأرض مجدبة ثم مررت بها مخصبة تهتز خضراء ؟ قلت : بلى ، قال : كذلك يحيي اللّه الموتى ، وكذلك النشور » « 1 » . أخرجه أحمد والبيهقي والطيالسي وغيرهم . مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً فليطلبها منه لا من غيره قال الفراء :

--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 4 / 11 .