صديق الحسيني القنوجي البخاري

451

فتح البيان في مقاصد القرآن

فَكَذَّبُوا رُسُلِي عطف على : كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ على طريقة التفسير كقوله : كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا [ القمر : 9 ] الآية والأولى أن يكون من عطف الخاص على العام لأن التكذيب الأول لما حذف منه المتعلق للتكذيب أفاد العموم فمعناه : كذبوا الكتب المنزلة والرسل المرسلة والمعجزات الواضحة وتكذيب الرسل أخص منه وإن كان مستلزما له فقد روعيت الدلالة اللفظية لا الدلالة الالتزامية ، وما بينهما حال أو اعتراض ، وقال البيضاوي : لا تكرير لأن الأول للتكثير ، والثاني للتكذيب ، ونحوه في الكشاف ، وبمثله قال الكرخي . فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ أي فكيف كان إنكاري لهم بالعذاب والعقوبة ؟ فليحذر هؤلاء من مثل ذلك ، قيل والتقدير فأهلكناهم فكيف نكيري ، والنكير اسم بمعنى الإنكار ثم أمر اللّه سبحانه رسوله صلّى اللّه عليه وسلم أن يقيم عليهم حجة ينقطعون عندها فقال : قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أي أحذركم وأنذركم سوء عاقبة ما أنتم فيه وأوصيكم بخصلة واحدة وهي : أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى فهذا تفسير للخصلة الواحدة أو بدل منها أي هي قيامكم وتشميركم في طلب الحق بالفكرة الصادقة ، متفرقين اثنين اثنين ، وواحدا واحدا لأن الاجتماع يشوش الفكر ويعمي البصر ، ويمنع من الرؤية ويقل الإنصاف فيه ، ويكثر الاعتساف ، ويثور عجاج التعصب ، ولا يسمع إلا نصرة المذهب ، وليس المراد القيام على الرجلين والنهوض والانتصاب على القدمين ، بل المراد القيام بطلب الحق والاعتناء والاشتغال بالتدبر ، وإصداق الفكر فيه كما يقال : قام فلان بأمر كذا ، وقيل : المراد بواحدة هي لا إله إلا اللّه ، كذا قال مجاهد ، والسدي . وقيل : القرآن لأنه يجمع المواعظ كلها والأولى ما ذكرناه ، وقال الزجاج : المعنى لأن تقوموا ، وقال السدي : معنى مثنى وفرادى منفردا برأيه ومشاورا لغيره . وقال القتيبي : مناظرا مع عشيرته ، ومتفكرا في نفسه ، وقيل : المثنى عمل النهار ، والفرادى عمل الليل ، قاله الماوردي . وما أبرد هذا القول ، وأقل جداوه ونصبهما على الحال ، وقدم المثنى لأن طلب الحقائق من متعاضدين في النظر أجدى من فكرة واحدة ، فإن انقدح الحق بين الاثنين فكر كل واحد منهما بعد ذلك فيزداد بصيرة قال الشاعر : إذا اجتمعوا جاؤوا بكل غريبة فيزداد بعض القوم من بعضهم علما ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا في أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلم وما جاء به من الكتاب فإنكم عند ذلك تعلمون أن ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ وذلك لأنهم كانوا يقولون : إن محمدا مجنون فقال اللّه سبحانه : قل لهم : اعتبروا أمري بواحدة وهي أن تقوموا للّه ، وفي ذاته مجتمعين ، فيقول الرجل