صديق الحسيني القنوجي البخاري
452
فتح البيان في مقاصد القرآن
لصاحبه : هلم فلنصادق هل رأينا بهذا الرجل من جنة ؟ أي جنون وجربنا عليه كذبا ، ثم ينفرد كل واحد عن صاحبه فيتفكر ، وينظر فإن في ذلك ما يدل على أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم صادق وأنه رسول من عند اللّه ، وأنه ليس بكاذب ولا ساحر ولا مجنون . قال محمد بن كعب في الآية : يقوم الرجل مع الرجل أو وحده فيفكر ما بصاحبه من جنة ، وقال قتادة : يقول : إنه ليس مجنون ، وقيل مستأنفة من جهة اللّه سبحانه مسوقة على طريقة النظر والتأمل بأن هذا الأمر عظيم والدعوى الكبيرة لا يعرض نفسه له إلا مجنون لا يبالي بما يقال فيه وما ينسب إليه من الكذب ، وقد علموا أنه أرجح الناس عقلا ، وأوزنهم حلما وأحدّهم ذهنا ، وأرضاهم رأيا وأصدقهم قولا ، وأزكاهم نفسا ، وأجمعهم لما يحمد عليه الرجال ، ويمدحون به فوجب أن يصدقوه في دعواه ، لا سيما مع انضمام المعجزة الواضحة ، وإجماعهم على أنه لم يكن ممن يفتري الكذب ، ولا قد جربوا عليه كذبا مدة عمره ، وعمرهم . وقيل : ثم تتفكروا أي شيء به من آثار الجنون واختار أبو حاتم وابن الأنباري الوقف على قوله ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا وعلى هذا تكون جملة ما بصاحبكم من جنة مستأنفة كما قدمنا . وقيل ليس بوقف لأن المعنى ثم تتفكروا هل جربتم عليه كذبا ؟ أو رأيتم منه جنة ؟ أو في أحواله من فساد . إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ أي ما هو إلا نذير لكم بين يدي الساعة أي قدامها وهو عذاب الآخرة وهو كقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « بعثت بين يدي الساعة » ثم أمره سبحانه أن يخبرهم أنه لم يكن له غرض في الدنيا ولا رغبة فيها ، حتى تنقطع عندهم الشكوك ويرتفع الريب فقال : قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ أي من جعل فَهُوَ لَكُمْ يقول لم أسألكم على الإسلام جعلا أي ما طلبت منكم من جعل تجعلونه لي إلى مقابل الرسالة فهو لكم إن سألتموه ، والمراد نفي السؤال بالكلية كما يقول القائل ما أملكه في هذا فقد وهبته لك يريد أنه لا ملك له فيه أصلا ، ومثل هذه الآية قوله : قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى [ الشورى : 23 ] ، وقوله : ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا [ الفرقان : 57 ] ثم بين لهم أن أجره عند اللّه سبحانه فقال : إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ لا على غيره وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أي مطلع لا يغيب عنه منه شيء فيعلم أني لا أطلب الأجر على نصيحتكم ودعائكم إليه إلا منه . قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ القذف في الأصل الرمي بالسهم والحصى والكلام . قال الكلبي : يرمي على معنى يأتي به ، وقال مقاتل : يتكلم بِالْحَقِّ وهو القرآن والوحي أي يلقيه إلى أنبيائه ، وقال قتادة : بالحق أي بالوحي والمعنى أنه يبين