صديق الحسيني القنوجي البخاري

446

فتح البيان في مقاصد القرآن

عليهم ، وحسما لمادة طمعهم وتحقيقا للحق الذي عليه يدور أمر التكوين ، وقال : قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ أن يبسطه له وَيَقْدِرُ أي يضيق على من يشاء أن يضيقه عليه ، فهو سبحانه قد يرزق الكافر والعاصي استدراجا له ، وقد يمتحن المؤمن المطيع بالتقتير توفيرا لأجره ، وليس مجرد بسط الرزق لمن يبسط له يدل على أنه قد رضي عنه ورضي عمله ، ولا قبضه عمن قبضه عنه يدل على أنه لم يرضه ، ولا رضي عمله ، بل كل ذلك حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم البالغة ، فقياس الدار الآخرة على الدار الأولى في مثل هذا من الغلط البين أو المغالطة الواضحة . وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ذلك ومن جملة هذا الأكثر من قاس أمره الآخرة على الأولى . وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى كلام مستأنف من جهته تعالى خوطب به الناس بطريق التلوين والالتفات مبالغة في تحقيق الحق وتقرير ما سبق ، والمعنى : ليسوا بالخصلة التي تقربكم عندنا قربى قال مجاهد : الزلفى : القربى ، والزلفة القربة ، قال الأخفش : زلفى اسم مصدر كأنه قال : بالتي تقربكم عندنا تقريبا ، قال الفراء : إن التي تكون للأموال والأولاد جميعا وهو الصحيح ، وقيل : المعنى وما جماعة أموالكم ولا جماعة أولادكم بالتي الخ وذلك أن الجمع المكسر عقلاؤه وغير عقلائه سواء في حكم التأنيث ، وقال الزجاج : إن المعنى وما أموالكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ، ثم حذف الخبر الأول لدلالة الثاني عليه ، ويجوز في غير القرآن باللتين وباللاتي وباللواتي وبالذي للأولاد خاصة أي لا تزيدكم الأموال والأولاد عندنا درجة ورفعة ، ولا تقربكم تقريبا . إِلَّا مَنْ آمَنَ هو استثناء منقطع أي لكن من آمن وَعَمِلَ عملا صالِحاً وقيل : إنه متصل على أن يجعل الخطاب عاما للكفرة والمؤمنين على أنه ابتداء كلام لا مقول لهم . فَأُولئِكَ إشارة إلى من والجمع باعتبار معناها كما أن الافراد في الفعلين باعتبار لفظها لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ أي جزاء الزيادة وهي المرادة بقوله : مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها [ الأنعام : 160 ] ، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول أي جزاء التضعيف للحسنات ، وقيل : لهم جزاء الأضعاف لأن الضعف في معنى الجمع أو من إضافة الموصوف إلى صفته . أي لهم الجزاء المضاعف قال مجاهد : أي تضعيف الحسنة ، وعن محمد بن كعب قال : إذا كان الرجل غنيا تقيا آتاه اللّه أجره مرتين وتلا هذه الآية إلى قوله : فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ ، وقال تضعيف الحسنة . بِما عَمِلُوا الباء للسببية وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ أي غرفات الجنة ، قرىء : بالجمع