صديق الحسيني القنوجي البخاري

447

فتح البيان في مقاصد القرآن

لقوله : لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً [ العنكبوت : 58 ] وفي قراءة سبعية بالإفراد ، بمعنى الجمع حملا لأل على أنها جنسية لقوله : أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ [ الفرقان : 75 ] . آمِنُونَ من كل هائل وشاغل وسائر المكاره ، ومن جميع ما يكرهون ، ثم لما ذكر سبحانه حال المؤمنين ذكر حال الكافرين فقال : وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا بالرد لها وإبطالها والطعن فيها حال كونهم مُعاجِزِينَ مسابقين لنا زاعمين أنهم يفوتوننا بأنفسهم أو معاندين لنا بكفرهم . أُولئِكَ فِي الْعَذابِ أي عذاب جهنم مُحْضَرُونَ تحضرهم الزبانية إليها لا يجدون عنها محيصا ، ثم كرر سبحانه ما تقدم لقصد التأكيد للحجة والدفع لما قاله الكفرة فقال : [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 39 إلى 42 ] قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 39 ) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ ( 40 ) قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ ( 41 ) فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ( 42 ) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ أي يوسعه لمن يشاء ويضيقه على من يشاء ليس في ذلك دلالة على سعادة ولا شقاوة ، وفي القاري : هذا في شخص واحد باعتبار وقتين أو في المؤمن ، وما سبق في شخصين أو في الكافر فلا تكرار ونحوه في البيضاوي ، قال الشهاب : بل فيه تقرير لأن التوسيع والتقتير ليسا لكرامة ولا هوان فإنه لو كان كذلك لم يتصف بهما شخص واحد . وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ على أنفسكم وعيالكم وقيل : ما تصدقتم فَهُوَ يُخْلِفُهُ عليكم أي يعطي خلفه إذا كان في غير إسراف . يقال : أخلف له وأخلف عليه إذا أعطاه عوضه وبدله ، وذلك البدل إما في الدنيا وإما في الآخرة أو فيهما معا إما عاجلا بالمال أو بالقناعة التي هي كنز لا ينفد ، وإما آجلا بالثواب في الآخرة الذي كل خلف دونه ، وقال مجاهد : هذا في الآخرة . وعن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : « ما نقصت صدقة من مال ، وما زاد اللّه عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع أحد للّه إلا رفعه اللّه » « 1 » ، أخرجه مسلم ، وقال ابن عباس في الآية : يعني في غير إسراف ولا تقتير .

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في البر حديث 69 ، والترمذي في البر باب 82 ، والدارمي في الزكاة باب 34 ، ومالك في الصدقة حديث 12 ، وأحمد في المسند 2 / 386 .