صديق الحسيني القنوجي البخاري
445
فتح البيان في مقاصد القرآن
من حديد أي جعلت الأغلال من الحديد في أعناق هؤلاء في النار والمراد بالذين كفروا هم المذكورون سابقا ، والإظهار لمزيد الذم ، أو للكفار على العموم فيدخل هؤلاء فيهم دخولا أوليا . هَلْ أي ما يُجْزَوْنَ إِلَّا جزاء ما كانُوا يَعْمَلُونَ في الدنيا من الشرك والكفر باللّه والمعاصي ، أو إلا بما كانوا يعملون على حذف الخافض ، ولما قصّ سبحانه حال من تقدم من الكفار أتبعه بما فيه التسلية لرسوله صلّى اللّه عليه وآله وسلم وبيان أن كفر الأمم السابقة بمن أرسل إليهم من الرسل هو كائن مستمر في الأعصر الأول فقال : [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 34 إلى 38 ] وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ( 34 ) وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ( 35 ) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 36 ) وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ ( 37 ) وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ ( 38 ) وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ من القرى مِنْ نَذِيرٍ ينذرهم ويحذرهم عقاب اللّه إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها حال من قرية وإن كانت نكرة لوقوعها في سياق النفي ، والمعنى : قال متنعموها ورؤساؤها وأغنياؤها وجبابرتها وقادة الشر لرسلهم . إِنَّا بِما أي بالذي أُرْسِلْتُمْ بِهِ من الإيمان والتوحيد كافِرُونَ . عن أبي رزين قال : كان رجلان شريكين خرج أحدهما إلى الساحل وبقي الآخر فلما بعث اللّه النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم كتب إلى صاحبه يسأله ما فعل ، فكتب إليه إنه لم يتبعه أحد من قريش إلا رذالة الناس ومساكينهم فترك تجارته ثم أتى صاحبه ، فقال : دلني عليه وكان يقرأ الكتب فأتى النبي صلّى اللّه عليه وسلم فقال : إلام تدعو ؟ قال إلى كذا وكذا قال : أشهد أنك رسول اللّه . قال : وما علمك بذلك ؟ قال : إنه لم يبعث نبي إلا اتبعه رذالة الناس ومساكينهم فنزلت هذه الآية فأرسل إليه النبي صلّى اللّه عليه وسلم . أن اللّه قد أنزل تصديق ما قلت ، ثم ذكر سبحانه ما افتخروا به من الأموال والأولاد وما قاسوا حالهم في الدار الآخرة على حالهم في هذه الدار على تقدير صحة ما أنذرهم به الرسل ، فقال : وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً والمعنى أن اللّه فضلنا عليكم بالأموال والأولاد في الدنيا وذلك يدل على أنه قد رضي ما نحن عليه من الدين وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ في الآخرة بعد إحسانه إلينا في الدنيا ورضاه عنا أرادوا أنهم أكرم على اللّه من أن يعذبهم نظرا إلى أحوالهم في الدنيا ، وظنوا أنهم لو لم يكرموا على اللّه لما رزقهم اللّه ، ولولا أن المؤمنين هانوا عليه لما حرمهم ، فأبطل اللّه ظنهم وأمر نبيه صلّى اللّه عليه وسلم بأن يجيب عنهم ردا