صديق الحسيني القنوجي البخاري
435
فتح البيان في مقاصد القرآن
لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ مما تخافونه ، وقال قتادة : كانوا يسيرون غير خائفين ولا جياع ولا ظماء كانوا يسيرون مسيرة أربعة أشهر في أمان لا يحرك بعضهم بعضا ولو لقي الرجل قاتل أبيه لم يحركه ، قيل : وأتى بلفظ النكرة تنبيها على قصر أسفارهم أي كانوا لا يحتاجون إلى طول السفر لوجود ما يحتاجون إليه . ثم ذكر سبحانه أنهم لم يشكروا النعمة بل طلبوا التعب والكد . [ سورة سبإ ( 34 ) : آية 19 ] فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ( 19 ) فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وكان هذا القول منهم بطرا وطغيانا لما سئموا النعمة ولم يصبروا على العاقبة فتمنوا طول الأسفار والتباعد بين الديار ، وسألوا اللّه تعالى أن يجعل بينهم وبين الشام مكان تلك القرى المتواصلة الكثيرة الماء والشجر والأمن من المفاوز والقفار ، والبراري المتباعدة الأقطار ، فأجابهم اللّه إلى ذلك وخرب تلك القرى المتواصلة ، وذهب بما فيها من الخير والماء والشجر . فكانت دعوتهم هذه كدعوة بني إسرائيل حيث قالوا : فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها [ البقرة : 61 ] الآية مكان المن والسلوى وكقول النضر بن الحارث : اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ [ الأنفال : 32 ] الآية قرأ الجمهور : رَبَّنا بالنصب على أنه منادى مضاف وقرأوا أيضا باعِدْ وقرىء : بعد بتشديد العين ، وقرأ ابن السميفع بضم العين فعلا ماضيا فيكون معنى هذه القراءة الشكوى من بعد الأسفار ، وقرىء : ربنا بالرفع وباعد بفتح العين على أنه فعل ماض على الابتداء والخبر ، والمعنى : لقد باعد ربنا بين أسفارنا ، ورويت هذه القراءة عن ابن عباس ، واختارها أبو حاتم ، وقال : لأنهم ما طلبوا التبعيد إنما طلبوا أقرب من ذلك القرب الذي كان بينهم وبين الشام بالقرى المتواصلة بطرا وأشرا ، وكفرا للنعمة ، وقرىء : ربنا بالرفع وبعد بفتح العين مشدّدة والمعنى على هذه القراءة الشكوى بأن ربهم بعّد بين أسفارهم مع كونهم قريبة متصلة بالقرى والشجر والماء . فيكون هذا من جملة بطرهم وقرأ أخو الحسن البصري كقراءة ابن السميفع السابقة مع رفع بين على أنه الفاعل كما قيل في قوله : لقد تقطع بينكم وروى الفراء والزجاج قراءة مثل هذه القراءة لكن مع نصب بين على أنه ظرف ، والتقدير بعد سيرنا بين أسفارنا ، قال النحاس : وهذه القراءات إذا اختلفت معانيها لم يجز أن يقال إحداهما أجود من الأخرى كما لا يقال ذلك في أخبار الآحاد إذا اختلفت معانيها ، ولكن أخبر عنهم بأنهم : دعوا ربهم أن يبعد بين أسفارهم فلما فعل ذلك شكوا وتضرروا ولهذا قال سبحانه :