صديق الحسيني القنوجي البخاري
436
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ حيث كفروا باللّه وطغوا وبطروا نعمته وتعرضوا لنقمته فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ يتحدث الناس بأخبارهم وعبرة لمن بعدهم ، والأحاديث جمع حديث بمعنى الخبر كما في القاموس . والمعنى جعلناهم ذوي أحاديث يتحدث بها من بعدهم تعجبا من فعلهم ، وأمرهم وشأنهم واعتبارا بحالهم وعاقبتهم . وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ أي فرقناهم في كل وجه من البلاد كل التفريق بحيث لا يتوقع بعده عود اتصال ، وهذه الجملة مبينة لجعلهم أحاديث وذلك أن اللّه سبحانه لما أغرق مكانهم وأذهب جنتهم تفرقوا في البلاد فصارت العرب تضرب بهم الأمثال فتقول : تفرقوا أيدي سبأ ، وذهبوا أيادي سبأ ، والأيدي ههنا بمعنى الأولاد لأنهم يعتضد بهم ، وفي المفصل الأيدي الأنفس كناية أو مجاز ، قال في الكشف : وهو أحسن . قال الشعبي : فلحقت الأنصار يعني الأوس والخزرج بيثرب ، وغسان بالشام ، والأزد بعمان ، وخزاعة بتهامة ، وكان الذي قدم منهم المدينة عمر بن عامر وهو جد الأنصار ، ولحق آل خزيمة بالعراق . إِنَّ فِي ذلِكَ أي فيما ذكر من قصتهم وما فعل اللّه بهم لَآياتٍ بينات وعبرا ظاهرات ودلالات واضحات لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ أي لكل من هو كثير الصبر عن المعاصي . والشكر للّه على نعمه وخص الصبار والشكور لأنهما المنتفعان بالمواعظ والآيات . [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 20 إلى 23 ] وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 20 ) وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ( 21 ) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ( 22 ) وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ( 23 ) وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ قرىء بتخفيف صدق ونصب ظنه . قال الزجاج : وهو على المصدر أي صدق وظن ظنه أو صدق في ظنه أو على الظرفية ، والمعنى أنه ظن بهم أنه إذا أغواهم اتبعوه فوجدهم كذلك ، وقرىء : صدّق بالتشديد وظنه بالنصب على أنه مفعول به ، وقال أبو علي الفارسي : أي صدق الظن الذي ظنه قال مجاهد : ظن ظنا فصدق ظنه فكان كما ظن وقرىء صدق بالتخفيف ، وإبليس بالنصب وظنه بالرفع وقد أجاز هذه القراءة الفراء ، وذكرها الزجاج وجعل الظن فاعل صدق وإبليس مفعوله ، والمعنى أن إبليس سوّل له ظنه شيئا فيهم فصدق ظنه فكأنه قال : ولقد صدق عليهم ظن إبليس ، قيل : وهذه الآية خاصة بأهل سبأ والمعنى أنهم غيروا وبدلوا بعد أن كانوا قد آمنوا بما جاءت به رسلهم .