صديق الحسيني القنوجي البخاري

43

فتح البيان في مقاصد القرآن

كذا ، وهذا يقول حكم العقل في هذا كذا ، ثم يأتي بعدهم من يجعل ذلك الذي يعقله من يقلده ويقتدي به أصلا يرجع إليه ، ومعيار الكلام كلام اللّه وكلام رسوله يقبل منهما ما وافقه ويرد ما خالفه فيا للّه ! ويا للمسلمين ! ويا لعلماء الدين من هذه الفواقر الموحشة التي لم يصب الإسلام وأهله بمثلها ! . وأغرب من هذا ، وأعجب ، وأشنع ، وأفظع ، أنهم بعد أن جعلوا هذه التعقلات ، التي تعقلوها ، على اختلافهم فيها ، وتناقضهم في معقولاتها ، أصولا ترد إليها أدلة الكتاب والسنة ، جعلوها أيضا معيارا لصفات الرب سبحانه ، فما تعقله هذا من صفات اللّه ، قال به جزما ، وما تعقله خصمه منها قطع به ، فأثبتوا للّه تعالى الشيء ونقيضه ، استدلالا بما حكمت به في صفات اللّه عقولهم ، الفاسدة ، وتناقضت في شأنه . ولم يلتفتوا إلى ما وصف اللّه ، نفسه ، أو وصفه به رسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، بل إن وجدوا ذلك موافقا لما تعقلوه ؛ جعلوه مؤيدا له ، ومقويا . وقالوا قد ورد دليل السمع مطابقا لدليل العقل ، وإن وجدوه مخالفا لما تعقلوه جعلوه واردا على خلاف الأصل ، ومتشابها ، وغير معقول المعنى ، ولا ظاهر الدلالة ، ثم قابلهم المخالف لهم بنقيض قولهم فافترى على عقله بأنه قد تعقل خلاف ما تعقله خصمه ، وجعل ذلك أصلا يرد إليه أدلة الكتاب والسنة وجعل المتشابه عند أولئك محكما عنده ، والمخالف لدليل العقل عندهم موافقا له عنده ، فكان حاصل كلام هؤلاء أنهم يعلمون من صفات اللّه ما لا يعلمه ، وكفاك بهذا - وليس بعده شيء - وعنده يتعثر القلم حياء من اللّه عز وجل وربما استبعد هذا مستبعد واستكبره مستكبر وقال : إن في كلامي هذ مبالغة وتهويلا وتشنيعا وتطويلا وأن الأمر أيسر من أن يكون حاصله هذا الحاصل الذي ذكرت ، وثمرته مثل هذه الثمرة التي أشرت إليها ، فأقول : خذ جملة البلوى ودع تفصيلها واسمع ما يصك سمعك ، ولولا هذا الالحاح منك ما سمعته ، ولا جرى القلم بمثله ، هذا أبو علي وهو رأس من رؤوسهم ، وركن من أركانهم ، وأسطوانة من أساطينهم ، قد حكى عنه الكبار منهم . وآخر من حكى ذلك عنه صاحب شرح القلائد ، يقول : واللّه لا يعلم اللّه من نفسه إلا ما يعلم هو . فخذ هذا التصريح ، حيث لم يكتف بذلك التلويح ، وانظر هذه الجرأة على اللّه التي ليس بعدها جرأة ، فيالأم أبي على الويل ؟ أينهق بمثل هذا النهيق ؟ ويدخل نفسه في هذا المضيق ؟ وهل سمع السامعون بيمين أفجر من هذه اليمين الملعونة ؟ أو نقل الناقلون كلمة تقارب معنى هذه الكلمة المفتونة ؟ أو بلغ مفتخر إلى ما بلغ إليه هذا المختال الفخور ؟ أو وصل من يفجر في أيمانه إلى ما يقارب هذا الفجور ؟ وكل عاقل يعلم أن أحدنا لو حلف أن ابنه أو أباه لا يعلم من نفسه إلا ما يعلمه هو لكان كاذبا في يمينه فاجرا فيها ، لأن كل فرد من أفراد الناس ينطوي على صفات وغرائز ، لا يحب أن