صديق الحسيني القنوجي البخاري
44
فتح البيان في مقاصد القرآن
يطلع عليها غيره ، ويكره أن يقف على شيء منها سواه ، ومن ذا الذي يدري بما يجول في خاطر غيره ؟ ويستكن في ضميره ؟ ومن ادعى علم ذلك وأنه يعلم من غيره من بني آدم ما يعلمه ذلك الغير من نفسه ، ولا يعلم ذلك الغير من نفسه إلا ما يعلمه هذا المدعي ، فهو إما مصاب العقل بهذا ، بما لا يدري ، ويتكلم بما لا يفهم ، أو كاذب شديد الكذب ، عظيم الافتراء ، فإن هذا أمر لا يعلمه غير اللّه سبحانه ، فهو الذي يحول بين المرء وقلبه ، ويعلم ما توسوس به نفسه ، وما يسر عباده ، وما يعلنون وما يظهرون وما يكتمون . كما أخبرنا بذلك في كتابه العزيز في غير موضع . فقد خاب وخسر من أثبت لنفسه من العلم ما لا يعلمه إلا اللّه سبحانه من عباده ، فما ظنك بمن جاوز هذا وتعداه ؟ وأقسم باللّه أن اللّه لا يعلم من نفسه إلا ما يعلمه هو ؟ ولا يصح لنا أن نحمله على اختلاف العقل ، فلو كان مجنونا لم يكن رأسا يقتدى بقوله جماعات من أهل عصره ، ومن جاء بعده ، وينقلون كلامه في الدفاتر ، ويحكون عنه في مقامات الاختلاف . ولعل أتباع هذا ومن يقتدي بمذهبه ، لو قال لهم قائل ، وأورد عليهم مورد ، قول اللّه عز وجل : وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً [ طه : 110 ] وقوله : وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ [ البقرة : 255 ] وقال لهم هذا ، يرد ما قاله صاحبهم ، ويدل على أن يمينه هذه فاجرة مفتراة ، لقالوا هذا ونحوه مما يدل دلالته ويفيد مفاده من المتشابه الوارد على خلاف دليل العقل المدفوع بالأصول المقررة . وبالجملة فإطالة ذيول الكلام في مثل هذا المقام إضاعة للأوقات ، واشتغال بحكاية الخرافات المبكيات لا المضحكات ، وليس مقصودنا ههنا إلا إرشاد السائل إلى أن المذهب الحق في الصفات هو إمرارها على ظاهرها من دون تأويل ولا تحريف ولا تكلف ولا تعسف ولا جبر ولا تشبيه ولا تعطيل . وإن ذلك هو مذهب السلف الصالح الصحابة والتابعين وتابعيهم . فإن قلت : وماذا تريد بالتعطيل في مثل هذه العبارات التي تكررها ؟ فإن أهل المذاهب الإسلامية يتنزهون عن ذلك ويتحاشون عنه ، ولا يصدق معناه ، ويوجد مدلوله إلا في طائفة من طوائف الكفار . وهم المنكرون للصانع . قلت يا هذا إن كنت ممن له إلمام بعلم الكلام الذي اصطلح عليه طوائف من أهل الإسلام . فإنه لا محالة قد رأيت ما يقوله كثير منهم ، ويذكرونه في مؤلفاتهم ويحكونه عن أكابرهم ، أن اللّه سبحانه وتعالى وتقدس ، لا هو جسم ولا جوهر ولا عرض ولا داخل العالم ولا خارجه ، فأنشدك اللّه ، أي عبارة تبلغ مبلغ هذه العبارة في النفي ؟ وأي مبالغة في الدلالة على هذا النفي ، تقوم مقام هذه المبالغة ؟ فكان