صديق الحسيني القنوجي البخاري

427

فتح البيان في مقاصد القرآن

مسخرا أو ميسرا بأمر ربه وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ أي ومن يعدل من الجن عَنْ أَمْرِنا الذي أمرناه به وهو طاعة سليمان . نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ قال أكثر المفسرين : وذلك في الآخرة ، وقيل في الدنيا قال السدي ، وكل اللّه بالجن ملكا بيده سوط من نار فمن زاغ عن أمر سليمان ضربه بذلك السوط ضربة فتحرقه ، ثم ذكر سبحانه ما يعمله الجن لسليمان فقال : يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ من للبيان والمحاريب كل موضع مرتفع وهي الأبنية الرفيعة ، والقصور العالية ، والمجالس الشريفة المصونة عن الابتذال والمساكن . قال المبرد : لا يكون المحراب إلا أن يرتقى إليه بدرج ومنه قيل للذي يصلي فيه محراب لأنه يرفع ويعظم ، وقال مجاهد : المحاريب دون القصور ، وقال أبو عبيدة : المحراب أشرف بيوت الدار وقال الضحاك وقتادة : المراد بالمحاريب هنا المساجد وكان مما عملوا له بيت المقدس . وَتَماثِيلَ جمع تمثال وهو كل شيء مثلته بشيء أي صورته بصورته من نحاس أو زجاج أو رخام أو غير ذلك قيل : كانت هذه التماثيل صور الأنبياء والملائكة والعلماء والصلحاء كانوا يصورونها في المساجد ليراها الناس فيزدادوا عبادة واجتهادا ، وفي الحديث « إن أولئك كان إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصورة ليذكروا عبادتهم فيجتهدوا في العبادة » « 1 » وقيل : هي تماثيل أشياء ليست من الحيوان ، وقيل : صور السباع والطيور . وقد استدل بهذا على أن التصوير كان مباحا في شرع سليمان ونسخ ذلك بشرع نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وعن ابن عباس قال : اتخذ سليمان تماثيل من نحاس فقال : يا رب انفخ فيها الروح فإنها أقوى على الخدمة فنفخ اللّه فيها الروح فكانت تخدمه ؛ وكان أسفنديار من بقاياهم فقيل لداود وسليمان اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ! ! وَجِفانٍ جمع جفنة وهي القصعة الكبيرة كَالْجَوابِ جمع جابية وهي حفيرة كالحوض ، وقيل : هي الحوض الكبير يجبي الماء أي يجمعه . قال الواحدي : قال المفسرون يعني قصاعا في العظم كحياض الإبل يجتمع على القصعة الواحدة ألف رجل يأكلون منها . قال النحاس : الأولى إثبات الياء في الجوابي ومن حذف الياء قال : سبيل الألف واللام أن يدخل على النكرة فلا يغيرها عن حالها فلما كان يقال : جواب ، ودخلت

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الصلاة باب 48 ، 54 ، والجنائز باب 70 ، ومناقب الأنصار باب 37 ، ومسلم في المساجد حديث 16 ، والنسائي في المساجد باب 13 ، وأحمد في المسند 6 / 51 .