صديق الحسيني القنوجي البخاري
425
فتح البيان في مقاصد القرآن
مفعولا معه ، كما تقول : استوى الماء والخشية ، وقال الكسائي أي آتيناه فضلا وتسبيح الطير ، وفي هذا النظم من الفخامة ما لا يخفى . وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أي جعلناه لينا له ليعمل به ما شاء . قال ابن عباس : كالعجين وقال الحسن : كالشمع يعمله من غير نار ، وقال السدي : كان الحديد في يده كالطين المبلول والعجين والشمع يصرفه كيف يشاء من غير نار ولا ضرب بمطرقة ، وكذا قال مقاتل ، وكان يفرغ من عمل الدرع في بعض يوم . أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ أي بأن اعمل أو لأن اعمل أو أَنِ مفسرة لقوله ألنا قاله الحوفي وفيه نظر ، لأنها لا تكون إلا بعد القول أو ما هو في معناه ، وقيل : التقدير أمرناه أن اعمل ولا ضرورة تدعو إلى ذلك ، والمعنى دروعا سابغات والسوابغ الكوامل الواسعات ، يقال : سبغ الدرع والثوب وغيرهما إذا غطى كل ما هو عليه ، وفضل منه فضلة ، وقرىء صابغات بالصاد لأجل الغين . وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ السرد نسج الدروع ، ويقال : السرد والزرد كما يقال : السراد والزراد لصانع الدروع والسرد أيضا الخرز ، يقال : سرد يسرد إذا خرز ومنه سرد الكلام إذا جاء به متواليا ، ومنه حديث عائشة : لم يكن النبي صلّى اللّه عليه وسلم يسرد الحديث كسردهم « 1 » قال سيبويه : ومنه سريد أي جرى ، ومعنى سرد الدروع إحكامها وأن يكون نظام حلقها ولاء غير مختلف . قال قتادة : كانت الدروع قبل داود ثقالا . فلذلك أمر هو بالتقدير فيما يجمع الخفة والحصانة ، أي قدر ما تأخذ من هذين المعنيين بقسطه ، فلا تقصد الحصانة فتثقل ، ولا الخفة فتزيل المنعة . وقال ابن زيد : التقدير الذي أمر به في قدر الحلقة أي لا تعملها صغيرة فتضعف ، ولا يقوى الدرع على الدفاع ، ولا تعملها كبيرة فتثقل على لابسها . وقيل : إن التقدير في المسمار أي لا تجعل مسمار الدرع دقيقا فيقلق ولا غليظا فيفصم الحلق ، وقال ابن عباس : قدر في السرد أي في حلق الحديد وعنه لا تدق المسامير وتوسع الحلق فتسلس ، ولا تغلظ المسامير وتضيق الحلق فتفصم ، واجعله قدرا . وقال البقاعي : إنه لم تكن في حلقها مسامير لعدم الحاجة إليها بسبب إلانة الحديد ، وإلا لم يكن بينه وبين غيره فرق ، ولا كان للإلانة كبير فائدة وقد أخبر بعض من رأى ما نسب إليه بغير مسامير . وقال الرازي : معناه إنك غير مأمور به أمر إيجاب وإنما هو اكتساب والكسب
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في المناقب باب 23 ، ومسلم في فضائل الصحابة حديث 160 ، وأبو داود في العلم باب 7 ، والترمذي في المناقب باب 9 ، وأحمد في المسند 6 / 118 ، 138 ، 157 ، 257 .