صديق الحسيني القنوجي البخاري
420
فتح البيان في مقاصد القرآن
المعنى أن له على الاختصاص حمد عباده الذي يحمدونه في الدار الآخرة إذا دخلوا الجنة كما في قوله : وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وقوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا [ الأعراف : 43 ] وقوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [ فاطر : 34 ] وقوله : الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ [ فاطر : 35 ] وقوله : وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [ يونس : 10 ] فهو سبحانه المحمود في الآخرة كما أنه المحمود في الدنيا ، وهو المالك للآخرة كما أنه المالك للدنيا ، غير أن الحمد هنا واجب لأن الدنيا دار تكليف وثم لا ، لعدم التكليف وإنما يحمد أهل الجنة سرورا بالنعيم وتلذذا بما نالوا من الأجر العظيم ، كما ورد : « يلهمون التسبيح والحمد كما يلهمون النفس » « 1 » . وَهُوَ الْحَكِيمُ الذي أحكم أمر الدارين الْخَبِيرُ بأمر خلقه فيهما ، وبضمير من يحمده ليوم الجزاء والعرض ، ثم ذكر سبحانه بعض ما يحيط به علمه من أمور السماوات والأرض التي نيطت بها مصالحهم الدينية والدنيوية فقال : يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ أي ما يدخل ويوضع فيها من مطر أو كنز أو دفين أو أموات وَما يَخْرُجُ مِنْها من زرع ونبات وحيوان وشجر وعيون ومعادن وأموات إذا بعثوا وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ من الأمطار والسروج والثلوج والبرد والصواعق وأنواع البركات ومن ذلك ما ينزل منها من ملائكته وكتبه إلى أنبيائه قرىء : ينزل مسندا إلى ما وينزّل مشددا مسندا إلى اللّه سبحانه . وَما يَعْرُجُ فِيها أي في السماء من الملائكة ، وأعمال العباد والدعوات وضمن العروج معنى الاستقرار فعداه بفي دون إلى ، والسماء جهة العلو مطلقا وَهُوَ الرَّحِيمُ بعباده الْغَفُورُ لذنوبهم وتفريطهم في أداء ما وجب عليهم من شكر نعمه . وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ المراد بهؤلاء القائلين جنس الكفرة على الإطلاق أو كفار مكة على الخصوص والأول أولى ، والمعنى لا تأتي بحال من الأحوال إنكار منهم لوجودها بالكلية لا بمجرد إتيانها في حال تكلمهم ، أو في حال حياتهم مع تحقق وجودها فيما بعد ، وإنما عبروا عنها بذلك لأنهم كانوا يوعدون بإتيانها فرد اللّه عليهم كلامهم وأثبت ما نفوه وأمر رسوله أن يقول لهم : قُلْ بَلى على معنى ليس الأمر إلا إتيانها وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ وهذا القسم لتأكيد الإتيان على أتم الوجوه وأكملها . قرىء : لتأتينكم بالفوقية أي الساعة ، وبالتحتية على تأويل الساعة باليوم أو الوقت ، كأنه قال : ليأتينكم البعث أو أمره كما قال : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ [ الأنعام : 158 ] .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الجنة حديث 18 ، 19 ، والدارمي في الرقاق باب 104 ، وأحمد في المسند 3 / 349 ، 354 ، 384 .