صديق الحسيني القنوجي البخاري
421
فتح البيان في مقاصد القرآن
عالِمِ الْغَيْبِ تقوية للتأكيد لأن تعقيب القسم بحلائل نعوت المقسم به يؤذن بفخامة شأن المقسم عليه وقوة إثباته وصحته ، لما أن ذلك في حكم الاستشهاد على الأمر لا يَعْزُبُ أي لا يغيب عَنْهُ ولا يستر عليه ولا يبعد عنه من عزب يعزب - بكسر الزاي - إذا غاب وبعد وخفي وقرىء بضم الزاي ، قال الفراء : والكسر أحب إليّ وهما لغتان مِثْقالُ ذَرَّةٍ أي مقدار أصغر نملة ووزن ذرة . فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ أي من مثقال ذرة وفيه إشارة إلى أن مثقال لم يذكر للتحديد بل الأصغر منه لا يعزب أيضا ، ولو اقتصر على الأصغر لتوهم متوهم أنه يثبت الصغائر لكونها محل النسيان ، وأما الأكبر فلا ينسى فلا حاجة إلى إثباته فقال وَلا أَكْبَرُ منه إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ أي إلا وهو مثبت في اللوح المحفوظ الذي اشتمل على معلومات اللّه سبحانه ومكتوب فيه فهو مؤكد لنفي العزوب . [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 4 إلى 8 ] لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ( 4 ) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ ( 5 ) وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ( 6 ) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ( 7 ) أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ ( 8 ) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ اللام للتعليل لقوله لتأتينكم أي إتيان الساعة فائدته جزاء المؤمنين بالثواب أُولئِكَ أي الذين آمنوا وعملوا الصالحات لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لذنوبهم وَرِزْقٌ كَرِيمٌ أي حسن وهو الجنة بسبب إيمانهم وعملهم الصالح مع التفضل عليهم من اللّه سبحانه ، ثم ذكر فريق الكافرين الذين يعاقبون عند إتيان الساعة فقال : وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي إبطال آياتِنا المنزلة على الرسل وقدحوا فيها وصدّوا الناس عنها وجاهدوا في ردها بالطعن فيها ونسبتها إلى السحر والشعر وغير ذلك لأن المكذب آت بإخفاء آيات بينات ؛ فيحتاج إلى السعي العظيم والجد البليغ ليروج كذبه لعله يعجز المتمسك به . مُعاجِزِينَ مقدرين عجزنا أو مسابقين لنا يحسبون أنهم يفوتوننا ولا يدركون ، وذلك باعتقادهم أنهم لا يبعثون ، يقال : أعجزه وعاجزه إذا غالبه وسبقه . قرىء : معاجزين ومعجزين أي مثبطين للناس عن الإيمان بالآيات أُولئِكَ الذين سعوا لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ الرجز هو العذاب فمن للبيان وقيل الرّجز هو أسوأ العذاب وأشده والأول أولى .