صديق الحسيني القنوجي البخاري
42
فتح البيان في مقاصد القرآن
ولا نتكلف ولا نتكلم بما لم نعلمه ولا أذن اللّه لنا بمجاوزته فإن أراد السائل أن يظفر منهم بزيادة على الظاهر زجروه عن الخوض فيما لا يعنيه ونهوه عن طلب ما لا يمكن الوصول إليه بالوقوع في بدعة من البدع التي هي غير ما هم عليه وما حفظوه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وحفظه التابعون عن الصحابة ، وحفظه من بعد التابعين عن التابعين . وكان في هذه القرون الفاضلة الكلمة في الصفات متحدة والطريقة لهم جميعا متفقة ، وكان اشتغالهم بما أمرهم اللّه بالاشتغال به ، وكلفهم القيام بفرائضه من الإيمان باللّه ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والصيام ، والحج ، والجهاد ، وإنفاق الأموال ، في أنواع البر وطلب العلم النافع وإرشاد الناس إلى الخير على اختلاف أنواعه والمحافظة على موجبات الفوز بالجنة والنجاة من النار ، والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والأخذ على يد الظالم بحسب الاستطاعة وبما تبلغ إليه القدرة ولم يشتغلوا بغير ذلك مما لم يكلفهم اللّه بعلمه ولا تعبدهم بالوقوف على حقيقته . فكان الدين إذ ذاك صافيا عن كدر البدع ، خالصا عن شوب قذر التمذهب ، فعلى هذا النمط كان الصحابة والتابعون وتابعوهم وبهدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم اهتدوا وبأفعاله وأقواله اقتدوا ، فمن قال إنهم تلبسوا بشيء من هذه المذاهب الناشئة في الصفات أو غيرها فقد أعظم عليهم الفرية وليس بمقبول في ذلك ، فإن تقول الأئمة المطلعين على أحوالهم العارفين بها الآخذين لها عن الثقات الأثبات ترد عليه وعليهم وتدفع في وجهه . يعلم ذلك كل من له علم ، ويعرفه كل عارف ، فاشدد يديك على هذا واعلم أنه مذهب خير القرون ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ودع عنك ما حدث من تلك التمذهبات في الصفات ، وأرح نفسك من تلك العبارات التي جاء بها المتكلمون واصطلحوا عليها وجعلوها أصلا يرد إليه كتاب اللّه وسنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، فإن وافقاها فقد وافقا الأصول المقررة في زعمهم ، وإن خالفاها فقد خالفا الأصول المقررة في زعمهم ، ويجعلون المرافق لها من قسم المقبول والمحكم ، والمخالف لها من قسم المردود والمتشابه ، ولو جئت بألف آية واضحة الدلالة ظاهرة المعنى أو ألف حديث مما ثبت في الصحيح لم يبالوا به ولا رفعوا إلى رؤوسهم ولا عدوه شيئا . ومن كان منكرا لهذا فعليه بكتب هذه الطوائف المصنفة في علم الكلام ، فإنه سيقف على الحقيقة ، ويسلم هذه الجملة ، ولا يتردد فيها ، ومن العجب العجيب والنبأ الغريب أن تلك العبارات الصادرة عن جماعة من أهل الكلام التي جعلها من بعدهم أصولا لا مستند لها إلا مجرد الدعوى على العقل والفرية على الفطرة ، وكل فرد من أفرادها تنازعت فيه عقولهم وتخالفت فيه إدراكاتهم ، فهذا يقول حكم العقل في هذا