صديق الحسيني القنوجي البخاري

418

فتح البيان في مقاصد القرآن

وقيل : معنى حملها كلّفها وألزمها أو صار مستعدا لها بالفطرة أو حملها عند عرضها عليه في عالم الذر ، عند خروج ذرية آدم من ظهره وأخذ الميثاق عليهم . إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا أي وهو في ذلك الحمل ظلوم لنفسه جهول لما يلزمه ، أو جهول لقدر ما دخل فيه كما قال سعيد بن جبير أو جهول بأمر ربه كما قال الحسن ، وقيل ظلوما حين عصى ربه ، جهولا لا يدري ما العقاب في ترك الأمانة . وقيل : ظلوما جهولا حيث حمل الأمانة ولم يف بها ، وضمنها ولم يف بضمانها ، ونحو هذا من الكلام كثير في لسان العرب ، وما جاء القرآن إلا على أساليبهم وفي تفسير الآية أقوال أخر والأول أولى وهو قول السلف . لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ متعلق بحملها أي حملها الإنسان ليعذب اللّه العاصي ويثيب المطيع وعلى هذا فجملة إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا معترضة بين الجملة ، وغايتها الإيذان بعدم وفائه بما تحمله ، قال مقاتل بن سليمان ومقاتل بن حيان : ليعذبهم بما خانوا من الأمانة وكذبوا من الرسل ونقضوا من الميثاق الذي أقروا به حين أخرجوا من ظهور آدم وقال الحسن وقتادة : هؤلاء المعذبون هم الذين خانوها ، وهؤلاء الذين يتوب اللّه عليهم هم الذين أدوها والالتفات إلى الاسم الجليل أولا لتهويل الخطب وتربية المهابة والإظهار في موضع الاضمار ثانيا في قوله : وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ لإبراز مزيد الاعتناء بأمر المؤمنين توفية لكل من مقامي الوعيد والوعد حقه واللّه أعلم . أي يهديهم ويرحمهم بما أدوا من الأمانة . قال ابن قتيبة : أي عرضنا ذلك ليظهر نفاق المنافق وشرك المشرك . فيعذبهما اللّه ويظهر إيمان المؤمن فيعود عليه بالمغفرة والرحمة إن حصل منه تقصير في بعض الطاعات ، ولذلك ذكر بلفظ التوبة فدل على أن المؤمن العاصي خارج من العذاب . وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً أي كثير المغفرة للمؤمنين التائبين من عباده إذا قصروا في شيء مما يجب عليهم من الأمانة وغيرها حيث عفا عن فرطانهم . رَحِيماً بهم حيث أثابهم بالعفو على طاعتهم ، مكرما لهم بأنواع الكرم وقد وردت أحاديث كثيرة في الحث على الأمانة وذكر رفعها عن القلوب عند قرب الساعة فلا نطول بذكرها .