صديق الحسيني القنوجي البخاري

417

فتح البيان في مقاصد القرآن

ساجدة له ، وقيل : المراد بالعرض هو العرض على أهلها من الملائكة دون أعيانها ، وقال القفال وغيره : العرض في هذه الآية ضرب مثل أي أن السماوات والأرض والجبال على كبر أجرامها لو كانت بحيث يجوز تكليفها لثقل عليها تقلد الشرائع لما فيها من الثواب والعقاب أي أن التكليف أمر عظيم حقه أن تعجز عنه السماوات والأرض والجبال ، وقد كلفه الإنسان وهو ظلوم جهول لو عقل وهذا كقوله : لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ [ الحشر : 21 ] . وقيل : إنا عرضنا بمعنى عارضنا أي عارضنا الأمانة بالسموات والأرض والجبال فضعفت هذه الأشياء عن الأمانة ورجحت الأمانة بثقلها عليها ، وقيل : إن عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال ، إنما كان من آدم عليه السلام وإن أمره أن يعرض ذلك عليها وهذا أيضا تحريف لا تفسير ، وقد قيل : إن المراد بالأمانة العقل ، والراجح ما قدمناه عن الجمهور وما عداه فلا يخلو عن ضعف لعدم وروده على المعنى العربي ، ولا انطباقه على ما يقتضيه الشرع ، ولا موافقته لما تقتضيه التعريف بالأمانة . عن ابن عباس في الآية قال : الأمانة الفرائض عرضها اللّه على السماوات والأرض والجبال إن أدوها أثابهم ، وإن ضيعوها عذبهم ، فكرهوا ذلك وأشفقوا من غير معصية ، ولكن تعظيما لدين اللّه أن لا يقوموا بها ، ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها . وعنه في الآية قال : عرضت على آدم فقيل خذها بما فيها فإن أطعت غفرت لك ، وإن عصيت عذبتك ، قال : قبلتها بما فيها فما كان إلا ما بين العصر إلى الليل من ذلك اليوم حتى أصاب الذنب ، وعنه : هي أمانات الناس ، والوفاء بالعهود ، فحق على كل مؤمن أن لا يغش مؤمنا ، ولا معاهدا في شيء لا في قليل ولا في كثير ، فعرض اللّه هذه الأمانة على أعيان السماوات والأرض والجبال ، وهذا قول جماعة من التابعين وأكثر السلف . وإنما أتى في قوله فأبين الخ بضمير كضمير الإناث لأن جمع تكسير غير العاقل يجوز فيه ذلك ، وإن كان مذكرا وإنما ذكرنا ذلك لئلا يتوهم أنه قد غلب المؤنث وهو السماوات على المذكر وهو الجبال . وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ أي التزم بحقها وهو آدم بعد عرضها عليه ؛ قيل إن ما كلف الإنسان حمله بلغ من عظمه وثقل محمله أنه عرض على أعظم ما خلق اللّه تعالى من الأجرام وأقواه وأشده أن يحتمله ويشتغل به فأبى حمله وأشفق منه ، وحمله الإنسان على ضعفه وضعف قوته . قال الزجاج : معنى حملها خان فيها وجعل الآية في الكفار والفساق والعصاة .