صديق الحسيني القنوجي البخاري
409
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً لما سلف من ترك إدناء الجلابيب رَحِيماً بهن أو غفورا لذنوب المذنبين رحيما بهم ، فيدخل في ذلك دخولا أوليا . وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة قالت : خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب لحاجتها وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها ، فرآها عمر فقال : يا سودة أما واللّه ما يخفين علينا فانظري كيف تخرجين . قالت : فانكفأت راجعة ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في بيتي ، وإنه ليتعشى ، وفي يده عرق ، فدخلت وقالت : يا رسول اللّه إني خرجت لبعض حاجتي فقال عمر : كذا وكذا فأوحي إليه ثم رفع عنه وإن العرق في يده ما وضعه فقال إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن « 1 » . وعن أبي مالك قال : كان نساء النبي صلّى اللّه عليه وسلم يخرجن لحاجتهن بالليل وكان ناس من المنافقين يتعرضون لهن فيؤبن فقيل ذلك للمنافقين فقالوا : إنما نفعله بالإماء فنزلت هذه الآية : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ الآية . وعن محمد بن كعب القرظي قال : كان رجل من المنافقين يتعرض لنساء المؤمنين يؤذيهن فإذا قيل له قال كنت أحسبها أمة ، فأمرهن اللّه أن يخالفن زي الإماء ويدنين عليهن من جلابيبهن ، تخمر وجهها إلا إحدى عينيها ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ، يقول ذلك أحرى أن يعرفن . وعن ابن عباس في هذه الآية قال : أمر اللّه نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ، ويبدين عينا واحدة ، وعن أم سلمة قالت : لما نزلت هذه الآية يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة ، وعليهن أكسية سود يلبسنها هكذا في الرواية بلفظ : من السكينة ، وليس لها معنى فإن المراد تشبيه الأكسية السود الغربان لا أن المراد وصفهن بالسكينة كما يقال : كأن على رؤوسهن الطير . وعن عائشة قالت : رحم اللّه نساء الأنصار لما نزلت : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ الآية شققن مروطهن فاعتجرن بها فصلين خلف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كأن على رؤوسهن الغربان . وعن ابن عباس في الآية قال : كانت الحرة تلبس لباس الأمة فأمر اللّه نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيهن وإدناء الجلباب أن تقنع وتشده على جبينها . قال أنس : مرت بعمر بن الخطاب جارية متنقبة فعلاها بالدرة وقال يا لكاع تتشبهين بالحرائر ألقي القناع ، قلت : ولكاع كلمة تقال لمن يستحقر به مثل العبد ،
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في النكاح باب 115 ، وأحمد في المسند 6 / 56 .