صديق الحسيني القنوجي البخاري
403
فتح البيان في مقاصد القرآن
الجليلة ، والمكرمة النبيلة ، وأما صفة الصلاة عليه صلّى اللّه عليه وسلم فقد وردت فيها صفات كثيرة بأحاديث ثابتة في الصحيحين وغيرهما منها : ما هو مقيد بصفة الصلاة عليه في الصلاة ، ومنها ما هو مطلق ، وهي معروفة في كتب الحديث فلا نطيل بذكرها ، والذي يحصل به الامتثال لمطلق الأمر في هذه الآية هو أن يقول القائل : اللهم صل وسلم على رسولك أو على محمد أو على النبي ، أو اللهم صل على محمد وسلم ومن أراد أن يصلي ويسلم عليه بصفة من الصفات التي ورد التعليم بها والإرشاد إليها فذلك أكمل وهي صفات كثيرة قد اشتملت عليها كتب السنة المطهرة ، وسيأتي بعضها ، وسيأتي الكلام في الصلاة على الآل . وكان ظاهر هذا الأمر بالصلاة والتسليم في الآية أن يقول القائل : صليت عليه وسلمت عليه أو الصلاة عليه والسلام عليه ، أو عليه الصلاة والتسليم ، لأن اللّه سبحانه أمرنا بإيقاع الصلاة عليه والتسليم منا ، فالامتثال هو أن يكون ذلك على ما ذكرنا فكيف كان الامتثال لأمر اللّه لنا بذلك أن نقول : اللهم صلّ عليه وسلم بمقابلة أمر اللّه لنا بأمرنا له بأن نصلي عليه ونسلم عليه ، وقد أجيب عن هذا بأن هذه الصلاة والتسليم لما كانتا شعارا عظيما للنبي صلّى اللّه عليه وسلم وتشريفا كريما ، وكّلنا ذلك إلى اللّه عزّ وجلّ وأرجعناه إليه وهذا الجواب ضعيف جدا . وأحسن ما يجاب به أن يقال : إن الصلاة والتسليم المأمور بهما في الآية هما أن نقول : اللهم صلّ عليه وسلم أو نحو ذلك مما يؤدي معناه كما بينه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فاقتضى ذلك البيان في الأحاديث الكثيرة أن هذه هي الصلاة الشرعية . واعلم أن هذه الصلاة من اللّه على رسوله وإن كان معناها الرحمة فقد صارت شعارا له يختص به دون غيره فلا يجوز لنا أن نصلي على غيره من أمته ، كما يجوز لنا أن نقول اللهم ارحم فلانا أو رحم اللّه فلانا ، وبهذا قال الجمهور من العلماء مع اختلافهم ؛ هل هو محرم ؟ أو مكروه كراهة شديدة ؟ أو مكروه كراهة تنزيه ؟ على ثلاثة أقوال . وقد قال ابن عباس : كما رواه عنه ابن أبي شيبة والبيهقي في الشعب : لا تصلح الصلاة على أحد إلا على النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ولكن يدعي للمسلمين والمسلمات بالاستغفار . وقال في المواهب : لم ينقل أن الأمم المتقدمة كان يجب عليهم أن يصلوا على أنبيائهم انتهى وقال في الأنموذج ومن خواصه صلّى اللّه عليه وسلم أنه ليس في القرآن ولا غيره صلاة من اللّه تعالى على غيره صلّى اللّه عليه وسلم فهي خصيصة اختصه اللّه بها دون سائر الأنبياء انتهى . وقال قوم : إن ذلك جائز لقوله تعالى : وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [ التوبة : 103 ] ، ولقوله : أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ [ البقرة : 157 ] ، ولقوله : هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ [ الأحزاب : 43 ] .