صديق الحسيني القنوجي البخاري
404
فتح البيان في مقاصد القرآن
ولحديث عبد اللّه بن أبي أوفى الثابت في الصحيحين وغيرهما قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال : « اللهم صلّ عليهم » فأتاه أبيّ بصدقته فقال : « اللهم صلّ على آل أبي أوفى » « 1 » ، ويجاب عن هذا بأن هذا الشعار الثابت لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم له أن يخص به من شاء ، وليس لنا أن نطلقه على غيره ، وأما قوله تعالى : هُوَ الَّذِي يُصَلِّي الخ وقوله : أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ [ البقرة : 157 ] فهذا ليس فيه إلا إن اللّه سبحانه يصلي على طوائف من عباده كما يصلي على من صلى على رسول صلّى اللّه عليه وسلم مرة واحدة عشر صلوات وليس في ذلك أمر لنا ولا شرعة اللّه في حقنا . بل لم يشرع لنا إلا الصلاة والتسليم على رسوله ، وكما أن لفظ الصلاة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم شعار له فكذا لفظ السلام عليه . وقد جرت عادة جمهور هذه الأمة والسواد الأعظم من سلفها وخلفها على الترضي عن الصحابة والترحم على من بعدهم ، والدعاء لهم بمغفرة اللّه وعفوه كما أرشدنا إلى ذلك بقوله سبحانه : وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [ الحشر : 10 ] . عن ابن عباس أن بني إسرائيل قالوا لموسى : هل يصلي ربك ؟ فناداه ربه يا موسى : سألوك هل يصلي ربك ؟ فقال : نعم أنا أصلي وملائكتي على أنبيائي ورسلي ، فأنزل اللّه على نبيه : إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ الآية أي يبركون ، وعنه أن صلاة اللّه على النبي هي المغفرة إن اللّه لا يصلي ، ولكن يغفر ، وأما صلاة الناس على النبي فهي الاستغفار له . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ أي ادعوا له بالرحمة وقولوا : اللهم صلّ على محمد أو صلّى اللّه على محمد فإنكم أولى بذلك ، وعن ابن عباس أنه قرأ : صَلُّوا عَلَيْهِ كما صلّى اللّه عليه وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً أي حيوه بتحية السلام ، وقولوا اللهم سلم على محمد ، أو انقادوا لأمره انقيادا والأول أولى ، ثم هي واجبة مرة عند الطحاوي ، وكلما ذكر اسمه عند الكرخي ، وهو الاحتياط وعليه الجمهور . قال أبو السعود : وهذه الآية دليل على وجوب الصلاة والسلام عليه مطلقا أي من غير تعرض لوجوب التكرار ، وقال القسطلاني قيل : هي مستحبة وقيل : واجبة في التشهد الأخير من كل صلاة وعليه الشافعي وهو رواية عن أحمد وقيل : تجب في الصلاة من غير تعيين لمحل منها . وقيل : تجب في خارج الصلاة وقيل : كلما ذكر وقيل : في كل مجلس مرة وإن تكرر ذكره فيه وقيل : تجب في العمر مرة واحدة وقيل :
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الدعوات باب 32 ، وأبو داود في الزكاة باب 7 ، والنسائي في الزكاة باب 8 ، وأحمد في المسند 4 / 353 ، 354 ، 355 ، 381 ، 383 .