صديق الحسيني القنوجي البخاري
38
فتح البيان في مقاصد القرآن
متظاهرون على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأمره أن لا يطلب منهم أجرا البتة ، أمره أن يتوكل عليه في دفع المضار وجلب المنافع فقال : [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 58 إلى 61 ] وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً ( 58 ) الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً ( 59 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَ نَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً ( 60 ) تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً ( 61 ) وَتَوَكَّلْ في استكفاء شرورهم والاستغناء عن أجورهم عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ فإنه الحقيق بأن يتوكل عليه ، وخص صفة الحياة إشارة إلى أن الحي الدائم هو الذي يوثق به في المصالح والمنافع ودفع المضار ، ولا حياة على الدوام إلا اللّه سبحانه ، دون الأحياء المنقطعة حياتهم فإنهم إذا ما تواضع من يتوكل عليهم . وقرأها بعض الصالحين فقال : لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق ، والتوكل اعتماد العبد على اللّه في كل الأمور ، والأسباب وسائط ، أمر بها من غير اعتماد عليها . وَسَبِّحْ أي نزهه عن صفات النقصان مقترنا بِحَمْدِهِ وقيل معنى سبح صل ، والصلاة تسمى تسبيحا وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً أي حسبك وهذه كلمة يراد بها المبالغة كقولك : كفى باللّه ربا والخبير المطلع على الأمور بحيث لا يخفى عليه منها شيء فلا لوم عليك إن آمنوا وكفروا ، وقيل معناه أنه لا يحتاج معه إلى غيره لأنه خبير عالم قدير على مكافأتهم ، وفيه وعيد شديد ، كأنه قال : إذا قدمتم على مخالفة أمره كفاكم علمه في مجازاتكم بما تستحقون من العقوبة ، ثم زاد في المبالغة فقال : الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لعل ذكره زيادة تقرير ، لكونه حقيقا بأن يتوكل عليه ، من حيث إنه الخالق للكل والمتصرف فيه وَما بَيْنَهُما ولم يقل بينهن ، لأنه أراد النوعين والمعنى خلقهما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ فخلق الأرض في يومين الأحد والاثنين ، وما بينهما في يومين الثلاثاء والأربعاء ، والسماوات في يومين الخميس والجمعة ، وفرغ من آخر ساعة من يوم الجمعة ، وقيل في مقدار هذه المدة ، لأنه لم يكن حينئذ ليل ولا نهار وإنما خلقها في ستة أيام وهو يقدر على أن يخلقها في لحظة ، تعليما لخلقه الرفق والتثبيت والتأني في الأمر والتؤدة والتدرج . فإن قيل يلزم أن يكون خلق العرش بعد خلق السماوات والأرض ، كما يفيده قوله : ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ فيقال : إن كلمة ثُمَّ تدخل على خلق العرش بل على علوه على السماوات والأرض ، والعرش في اللغة سرير الملك ، والمراد هنا الجسم العظيم المحيط بالعالم الكائن فوق السماوات السبع ، والاستواء صفة للّه سبحانه