صديق الحسيني القنوجي البخاري
39
فتح البيان في مقاصد القرآن
معناها مباينته عن الخلق وكونه على الذات وفوق العالم ، وقد تقدم الكلام عليها في سورة الأعراف وأخواتها . قال الشوكاني رحمه اللّه تعالى : اعلم أن الكلام في الآيات والأحاديث الواردة في الصفات قد طالت ذيوله وتشعبت أطرافه ، وتباينت فيه المذاهب وتفاوتت فيه الطرائق ، وتخالفت النحل ، وسبب هذا عدم وقوف المنتسبين إلى العلم حيث أوقفهم اللّه ، ودخولهم في أبواب لم يأذن اللّه لهم بدخولها ، ومحاولتهم لعلم شيء استأثر اللّه بعلمه ، حتى تفرقوا فرقا وتشعبوا شعبا وصاروا أحزابا كانوا في البداية ، ومحاولة الوصول إلى ما يتصورونه من العامة مختلفي المقاصد متبايني المطالب فطائفة - وهي أخف هذه الطوائف المتكلفة ، علم ما لم يكلفها اللّه سبحانه بعلمه إثما ، وأقلها عقوبة وجرما - وهي التي أرادت الوصول إلى الحق والوقوف على الصواب لكن سلكت في طلبه طريقة متوعرة ، وصعدت في الكشف عنه إلى عقبة كؤود ، لا يرجع من سلكها سالما فضلا عن أن يظفر فيها بمطلوب صحيح ، ومع هذا أصّلوا أصولا ظنوها حقا . فدفعوا بها آيات قرآنية ، وأحاديث صحيحة نبوية واعتلوا في ذلك الدفع بشبهة واهية وحالات مختلفة . وهؤلاء هم طائفتان الطائفة الأولى ، هي الطائفة التي غلت في التنزيه فوصلت إلى حدّ يقشعر عنده الجلد ويضطرب له القلب ، من تعطيل الصفات الثابتة ، بالكتاب والسنة ، ثبوتا أوضح من شمس النهار وأظهر من فلق الصباح ، وظنوا هذا - من صنيعهم - موافقا للحق . مطابقا لما يريده اللّه سبحانه ، فضلوا الطريق المستقيمة ، وأضلوا من رام سلوكها . والطائفة الأخرى : هي الطائفة التي غلت في إثبات القدرة ، غلوا بلغ إلى حدّ أنه لا تأثير لغيرها ، ولا اعتبار بما سواها ، وأفضى ذلك إلى الجبر المحض ، والقسر الخالص ، فلم يبق لبعثة الرسل ، وإنزال الكتب ، كثير فائدة ، ولا يعود ذلك على عباده بعائدة ، وجاؤوا بتأويلات للآيات البينات ، ومحاولات لحجج اللّه الواضحات ، فكانوا كالطائفة الأولى في الضلال والإضلال ، مع أن كلا المقصدين صحيح ، ووجه كل منهما صبيح ، لولا ما شانه من الغلو القبيح . وطائفة توسطت ، ورامت الجمع بين الضب والنون ، وظنت أنها قد وقفت بمكان بين الإفراط والتفريط ، ثم أخذت كل طائفة من هذه الطوائف الثلاث تجادل ، وتناضل ، وتحقق ، وتدقق في زعمها ، وتجول عمل الأخرى وتصول ، بما ظفرت به ، مما يوافق ما ذهبت إليه ، وكل حزب بما لديهم فرحون ، وعند اللّه تلتقي الخصوم . ومع هذا فهم متفقون فيما بينهم على أن طريق السلف أسلم ، ولكن زعموا أن طريق الخلف أعلم ، فكان غاية ما ظفروا به ، من هذه الأعلمية - بطريق الخلف - أن تمنى . محققوهم وأذكياؤهم في آخر أمرهم دين العجائز وقالوا : هنيئا للعامة . فتدبر