صديق الحسيني القنوجي البخاري
32
فتح البيان في مقاصد القرآن
الناس للمعاش ، أي جعله زمان بعث من ذلك السبات شبه اليقظة بالحياة ، كما شبه النوم بالسبات الشبيه بالممات ، وهذه الآية مع دلالتها على قدرة الخالق فيها إظهار لنعمته على خلقه ، لأن في الاحتجاب بستر الليل فوائد دينية دنيوية ، وفي النوم واليقظة المشبهين بالموت والحياة عبرة لمن اعتبر ، قال لقمان لابنه : كما تنام فتوقظ كذلك تموت فتنشر . وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً جمع بشور ، وقرىء نشرا بالنون بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أي متفرقة قدام المطر لأنه ريح ثم سحاب ثم مطر ، وهذه استعارة مليحة ، والمراد بالرياح الجنس ، وهي الصبا والجنوب والشمال ، بخلاف الدبور ، فإنها ريح العذاب التي أهلكت بها عاد . والشمال تأتي من ناحية الشام والجنوب تقابلها وهي اليمانية ، والصبا تأتي من مطلع الشمس وهي القبول أيضا ، والدبور تأتي من ناحية المغرب ، والريح مؤنثة على الأكثر فيقال هي الريح . وقد تذكر على معنى الهواء فيقال : هو الريح وهب الريح نقله أبو زيد وقال ابن الأنباري : إنها مؤنثة لا علامة فيها ، وكذلك سائر أسمائها إلا الإعصار فإنه مذكّر ، قد تقدم تفسير هذه الآية مستوفى في الأعراف . وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً وصف الماء به إشعارا بالنعمة وتتميما للمنة بما بعده . فإن الماء الطهور أهنأ وأنفع مما خالطه ما يزيل طهوريته . وفيه تنبيه على أن ظواهرهم لما كانت مما ينبغي أن يطهروها ، فبواطنهم أولى بذلك ، قال الأزهري : الطهور في اللغة المطهر ، قال : وفعول في كلام العرب لمعان منها فعول لما يفعل به ، مثل الطهور لما يتطهر به ، والوضوء لما يتوضأ به قال ابن الأنباري : الطهور بفتح الطاء الاسم وكذلك الوضوء والوقود ، وبالضم المصدر ، هذا هو المعروف في اللغة ، وقد ذهب الجمهور إلى أن الطهور هو الطاهر المطهر ، ويؤيد ذلك كونه بناء مبالغة ، ويدل له ما روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال في البحر « هو الطهور ماؤه الحل ميتته » « 1 » أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي . وروي عن أبي حنيفة أنه قال : الطهور هو الطاهر . واستدل لذلك بقوله تعالى : وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً [ الإنسان : 21 ] يعني طاهرا وعلى كل حال فقد ورد الشرع بأن الماء طاهر في نفسه مطهر لغيره . قال اللّه تعالى : وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ [ الأنفال : 11 ] وقال للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم « خلق الماء طهورا » وأخرج أهل السنن وأحمد وغيرهم من حديث أبي سعيد قال : قيل يا رسول
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في الطهارة باب 41 ، والترمذي في الطهارة باب 52 ، والنسائي في الطهارة باب 46 ، وابن ماجة في الطهارة باب 38 ، ومالك في الطهارة حديث 12 ، وأحمد في المسند 2 / 237 ، 361 ، 378 ، 393 ، 3 / 373 ، 5 / 365 .