صديق الحسيني القنوجي البخاري
33
فتح البيان في مقاصد القرآن
اللّه أتتوضأ من بئر قضاعة ، وهي بئر تلقى فيه الحيض ولحوم الكلاب والنتن ، فقال : « إن الماء طهور لا ينجسه شيء » « 1 » وفي إسناد هذا الحديث كلام طويل قد استوفاه الحافظ ابن حجر في التلخيص ، وتبعه الشوكاني في شرحه على المنتقى ، ثم ذكر سبحانه علة الإنزال فقال : لِنُحْيِيَ بِهِ أي الماء المنزل من السماء بَلْدَةً مَيْتاً وصف البلدة بالميت ، وهي صفة للمذكر ، لأنها بمعنى البلد . وقال الزجاج : أراد بالبلد المكان أو يستوي فيه المذكر والمؤنث والمراد بالإحياء هنا إخراج النبات من المكان الذي لا نبات فيه وَنُسْقِيَهُ بضم النون ، وقرىء بفتحها والضمير المنصوب راجع إلى الماء مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً أي بهائم أي إبلا ، وبقرا وغنما ، وقد تقدم الكلام عليها ، وخصها بالذكر لأنها ذخيرتنا . ومدار معاش أكثر أهل المدر ، ولذلك قدم سقيها على سقيهم ، كما قدم عليها إحياء الأرض فإنها سبب لحياتها وتعيشها فقدم ما هو سبب حياتهم ومعاشهم . وَأَناسِيَّ كَثِيراً جمع إنسان على ما ذهب إليه سيبويه ، وهو الراجح وقال المبرد ، والفراء والزجاج : إنه جمع إنسي أي بياء النسب وفيه أن ما هي فيه لا يجمع على فعاليّ ، وللفراء قول آخر ، أنه جمع إنسان والأصل على الأول أناسين مثل سرحان وسراحين ، وبستان وبساتين ، فجعلوا الياء عوضا من النون . وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا أي كررنا أحوال الإظلال . وذكر إنشاء السحاب ، وإنزال المطر في القرآن ، وفي سائر الكتب السماوية ، ليتفكروا أو يعتبروا ، وقرىء صرفناه مثقلا ومخففا ، وكذا ليذكروا مخففة من الذكر ، ومثقلة من التذكر ، وقيل ضمير صرفناه يرجع إلى أقرب المذكورات وهو المطر أي صرفنا المطر بينهم ، في البلدان المختلفة . والأوقات المتغايرة ، وعلى الصفات المتفاوتة من وابل وطش وطل وجود ورذاذ . وديمة فنزيد منه في بعض البلدان ، وننقص في بعض آخر منها . وقيل : الضمير راجع إلى القرآن ، وقد جرى ذكره في أول السورة حيث قال تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ [ الفرقان : 1 ] وقوله : لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي [ الفرقان : 29 ] وقوله : اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً [ الفرقان : 30 ] والمعنى ولقد كررنا هذا القرآن بإنزال آياته بين الناس ، ليذكروا به ، ويعتبروا بما فيه ، وقيل هو راجع إلى الريح ، وعلى رجوع الضمير إلى المطر . فقد اختلف في معناه فقيل ما ذكرناه وقيل تصريفه تنويع الانتفاع به ، في الشرب والسقي . والزراعات ،
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في الطهارة باب 34 ، والترمذي في الطهارة باب 49 ، والنسائي في المياه باب 1 ، 2 ، وابن ماجة في الطهارة باب 76 ، وأحمد في المسند 1 / 235 ، 284 ، 308 ، 3 / 16 ، 31 ، 86 ، 6 / 172 ، 330 .