صديق الحسيني القنوجي البخاري
31
فتح البيان في مقاصد القرآن
ثُمَّ قَبَضْناهُ أي : ذلك الظل الممدود ، ومحوناه عند إيقاع شعاع الشمس ، موقعه بالتدريج حتى انتهت تلك الأظلال إلى العدم والاضمحلال ، ومعنى إِلَيْنا أن مرجعه إليه سبحانه ، كما أن حدوثه منه ، وجاء بثم استعارة تبعية لتفاضل ما بين الأمور الثلاثة ، مد الظل ، وجعل الشمس عليه دليلا وقبضه يسيرا ، فكان الثاني أعظم من الأول ، والثالث أعظم من الثاني ، شبه تباعد ما بينها في الفضل بتباعد ما بين الحوادث في الوقت ، أو لتفاضل مبادي أوقات ظهورها ، وقيل : المراد في الآية قبضه عند قيام الساعة قبض أسبابه ، وهي الأجرام النيرة ، والأول أولى ، وقيل : المعنى أن الظل يبقى في هذا الجو من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، فإذا طلعت الشمس صار الظل مقبوض جزءا فجزءا ، وخلفه في هذا الجو شعاع الشمس فأشرقت على الأرض وعلى الأشياء إلى وقت غروبها ، فإذا غربت فليس هناك ظل إنما ذلك بقية نور النهار . وقال قوم : قبضه بغروب الشمس لأنها إذا لم تغرب فالظل فيه بقية ، وإنما يتم زواله لمجيء الليل ودخول الظلمة عليه وقيل : إن هذا القبض وقع بالشمس لأنها إذا طلعت أخذ الظل في الذهاب شيئا فشيئا قاله مالك وإبراهيم التيمي . وقيل : المعنى ثم قبضنا ضياء الشمس بالفيء . قَبْضاً يَسِيراً أي : قليلا قليلا على تدريج بقدر ارتفاع الشمس ، لتنتظم بذلك مصالح الكون ويتحصل به ما لا يحصى من منافع الخلق ، وقيل : يسيرا أي سريعا ، قاله الضحاك ، وقيل : المعنى يسيرا علينا ، ليس بعسير . وقال قتادة : أي خفيفا ، كلما قبض جزء منه جعل مكانه جزء من الظلمة ، وليس يزول دفعة واحدة ، وهو قول مجاهد . وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً شبه سبحانه ما يستر من ظلام الليل باللباس الساتر . قال ابن جرير : وصف الليل باللباس تشبيها من حيث إنه يستر الأشياء ويغشاها وَ جعل النَّوْمَ سُباتاً أي : راحة لكم لأنكم تنقطعون عن الاشتغال ، وأصل السبات التمدد ، يقال سبتت المرأة شعرها ، أي : نقضته وأرسلته . ورجل مسبوت أي ممدود الخلقة ، وقيل للنوم سبات ، لأنه بالتمدد يكون ، وفي التمدد معنى الراحة ، وقيل السبت القطع - فالنوم انقطاع عن الاشتغال ، ومنه سبت اليهود لانقطاعهم عن الاشتغال قال الزجاج : السبات النوم الخفيف ، وهو أن ينقطع عن الحركة ، والروح في بدنه ، أو ابتداؤه في الرأس ، حتى يبلغ القلب ، أي : جعلنا نومكم راحة لكم . وقال الخليل : السبات نوم ثقيل ، أي جعلنا نومكم ثقيلا ليكمل الإجمام ، والراحة ، وقيل السبات الموت ، والمسبوت الميت ، لأنه مقطوع الحياة ، هو كقوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [ الأنعام : 60 ] ويعضده ذكر النشور في مقابلته ، ذكره الزمخشري ، والنسفي وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً أي : ذا نشور وانتشار ينتشر فيه