صديق الحسيني القنوجي البخاري

30

فتح البيان في مقاصد القرآن

سمي فيئا لأنه فاء من المشرق إلى جانب المغرب ، وقال ابن السكيت : الظل ما نسخته الشمس ، والفيء ما نسخ الشمس ، وعن رؤبة قال : كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء ، وظل ، وما لم تكن عليه الشمس فهو ظل ، انتهى . وحقيقة الظل أنه أمر متوسط بين الضوء الخالص والظلمة الخالصة ، وهذا التوسط هو أعدل من الطرفين ، وأطيب الأحوال ، لأن الظلمة الخالصة يكرهها الطبع ، وينفر عنها الحس ، والضوء الكامل لقوته يبهر الحس البصري ، ويؤذي بالتسخين ، ولذلك وصفت به الجنة في قوله : وَظِلٍّ مَمْدُودٍ قال أبو السعود ، وأما ما قيل من أن المراد بالظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس فغير سديد ، إذ لا ريب في أن المراد تنبيه الناس على عظم قدرة اللّه عزّ وجلّ ، وبالغ حكمته فيما يشاهدونه ، فلا بدّ أن يراد بالظل ما يتعارفونه من حالة مخصوصة يشاهدونها ، في موضع يحول بينه وبين الشمس جسم كثيف ، مخالفة لما في جوانبه من مواقع ضح الشمس وما ذكر ؛ وإن كان في الحقيقة ظلا للأفق الشرقي ، لكنهم لا يعدونه ظلا ، ولا يصفونه بأوصافه المعهودة ، انتهى . وعن ابن عباس قال : كيف مد الظل أي : بعد الفجر ، قبل أن تطلع الشمس ، وعنه قال : ألم تر أنك إذا صليت الفجر ، كان ما بين مطلع الشمس إلى مغربها ظلا ؟ ثم بعث اللّه عليه الشمس دليلا فقبض الظل . وعنه قال : ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، وبه قال الجمهور ، واعترض عليه بأنه لا يسمى ظلا لأنه من بقايا الليل واقع في غير النهار ، ومعنى الآية كيف أنشأ ظلا لأي مظل كان من جبل أو بناء أو شجر عند ابتداء طلوع الشمس ممتدا ، وأنه تعالى مده ، بعد أن لم يكن كذلك ، كما بعد نصف النهار إلى غروبها ، فإن ذلك مع خلوه عن التصريح يكون نفسه بإنشائه تعالى وإحداثه يأباه سياق النظم الكريم . وَلَوْ شاءَ سكونه لَجَعَلَهُ ساكِناً ثابتا دائما لا يزول ، ومستقرا لا تنسخه الشمس ، ولا يذهب عن وجه الأرض ، وقيل : المعنى ولو شاء لمنع الشمس الطلوع ، فلا يزول ، أو جعلها مسلوبة الضوء ، والأول أولى ، والتعبير بالسكون عن الإقامة والاستقرار شائع ، ومنه قولهم : سكن فلان بلد كذا إذا أقام به ، واستقر فيه ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ أي على الظل بنسخها إياه عند مجيئها دَلِيلًا أي : حجة وبرهانا . وعلامة يستدل بأحوالها على أحواله ، وذلك لأن الظل يتبعها ، كما يتبع الدليل في الطريق من جهة أنه يزيد بها وينقص ، ويمتد ويتقلص والمعنى أنه لو لم تكن الشمس لما عرف الظل ، ولولا النور لما عرفت الظلمة ، فالأشياء تعرف بأضدادها ، ولم يؤنث الدليل ، وهو صفة للشمس لأنه في معنى الاسم ، كما يقال : الشمس برهان ، والشمس حق .