صديق الحسيني القنوجي البخاري

29

فتح البيان في مقاصد القرآن

يسيء إليها وتطلب ما ينفعها ، وتجتنب ما يضرها ، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ، ولا يعرفون إحسانه من إساءة الشيطان ، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار ولأن جهالتها لا تضر بأحد وجهالة هؤلاء تؤدي إلى تهييج الفتن ، وصد الناس عن الحق ، ولأنها غير متمكنة من طلب الكمال ، فلا تقصير منها ، ولا ذم عليها ، وهؤلاء مقصرون ، ومستحقون أعظم العقاب على تقصيرهم . وقيل إنما كانوا أضل من الأنعام لأنه لا حساب عليها ولا عقاب لها ، وقيل إنما كانوا أضل لأن البهائم إذا لم تعقل صحة التوحيد والنبوة ، لم تعتقد بطلان ذلك ، بخلاف هؤلاء ، فإنهم اعتقدوا البطلان عنادا ومكابرة ، وتعصبا ، وغمطا للحق . وقيل إن الأنعام تسجد وتسبح ، والكفار لا يفعلون ذلك ، وقيل الملائكة روح ، وعقل ، والبهائم نفس ، وهوى ، والآدمي مجمع الكل ابتلاء ، فإن غلبته النفس والهوى ، فضلته الأنعام ، وإن غلبته الروح وضلالتهم ، أتبعه بذكر طرف من دلائل التوحيد مع ما فيها من عظيم الإنعام ، وحاصل ما ذكر منها خمسة ، فأولها الاستدلال بأحوال الظل فقال : [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 45 إلى 50 ] أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً ( 45 ) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً ( 46 ) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً ( 47 ) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً ( 48 ) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً ( 49 ) وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً ( 50 ) أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ أي : على أي وجه مَدَّ الظِّلَّ هذه الرؤية إما بصرية ، والمراد بها ألم تبصر إلى صنع ربك ؟ أو ألم تبصر إلى الظل ؟ كيف مده ربك ؟ وإما قلبية ، بمعنى العلم ، فإن الظل متغير وكل متغير حادث ولكل حادث موجد . قال الزجاج : أَ لَمْ تَرَ : ألم تعلم ؟ وهذا من رؤية القلب ، قال : وهذا الكلام على القلب ، والتقدير : ألم تر إلى الظل كيف مده ربك ، يعني الظل من وقت الإسفار إلى وقت طلوع الشمس ، وهو ظل لا شمس معه ، وبه قال الحسن وقتادة . وقيل : هو من غيبوبة الشمس إلى طلوعها ، قال القرطبي : والأول أصح ، والدليل على ذلك أنه ليس من ساعة أطيب من تلك الساعة ، فإن فيها يجد المريض راحة ، والمسافر ، وكل ذي علة ، وفيها ترد نفوس الأموات والأرواح منهم إلى الأجساد ، وتطيب نفوس الأحياء فيها ، وهذه الصفة مفقودة بعد المغرب ، وقال أبو العالية : نهار الجنة هكذا ، وأشار إلى ساعة المصلين صلاة الفجر . قال أبو عبيدة : الظل بالغداة ، والفيء بالعشي ، لأنه يرجع بعد زوال الشمس ،