صديق الحسيني القنوجي البخاري
20
فتح البيان في مقاصد القرآن
قرون ككعوب القثاء ، وهم تحت العرش ، لهم زجل بالتسبيح والتهليل والتقديس للّه تعالى ، ما بين أخمص قدم أحدهم إلى كعبه مسيرة خمسمائة عام ، ومن ركبته إلى فخذه مسيرة خمسمائة عام ، ومن فخذه إلى ترقوته مسيرة خمسمائة عام ، وما فوق ذلك مسيرة خمسمائة عام . أخرجه الحاكم وابن أبي الدنيا وابن جرير وغيرهم . الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ أي الملك الثابت الذي لا يزول ولا يشركه فيه أحد ، للرحمن يومئذ ، لأن الملك الذي يزول وينقطع ، ليس بملك في الحقيقة . ولأن السلطان الظاهر والاستيلاء الكلي العام الثابت صورة ومعنى ظاهرا وباطنا بحيث لا زوال له أصلا ، لا يكون إلا اللّه تعالى . فالملك مبتدأ ، والحق صفته ، وللرحمن خبره ، ويومئذ متعلق بالملك ، وفائدة التقييد بالظرف . أن ثبوت الملك المذكور له سبحانه خاصة في هذا اليوم ، وأما فيما عداه من أيام الدنيا فلغيره أيضا ملك في الصورة ، وإن لم يكن حقيقيا . وقيل إن خبر المبتدأ هو الظرف ، والحق نعت للملك . والمعنى الملك الثابت للرحمن خاصة في هذا اليوم ، وقيل الملك مبتدأ ، والحق خبره ، وللرحمن متعلق بالحق . وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً أي وكان هذا اليوم مع كون الملك فيه للّه وحده ، شديدا على الكفار لما يصابون به فيه وينالهم من العقاب ، بعد تحقيق الحساب . وأما على المؤمنين فهو يسير غير عسير لما ينالهم فيه من الكرامة والبشرى العظيمة . وجاء في الحديث « أنه يهون يوم القيامة على المؤمن ، حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا » . وَ اذكر يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ الظاهر أن العض هنا حقيقة ولا مانع من ذلك ، ولا موجب لتأويله ، قال عطاء : يأكل الظالم يديه ، حتى يأكل مرفقيه ، ثم ينبتان ، ثم يأكلهما ، وهكذا كلما نبتت يداه أكلهما تحسّرا على ما فعل ، ذكره الخازن . وقيل هو كناية عن الغيظ والحسرة والأول أولى . والمراد بالظالم كل ظالم يرد ذلك المكان وينزل ذلك المنزل ، ولا ينافيه ورود الآية على سبب خاص ، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . وعن ابن عباس قال في الآية : هو أبيّ بن خلف ، وعقبة بن أبي معيط وهما الخليلان في جهنم . يَقُولُ يا قوم لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا أي طريقا . وهو طريق الحق ومشيت فيه ، حتى أخلص من هذه الأمور المضلة . والمراد اتباع النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم فيما جاء به ، يعني ليتني اتبعت محمدا صلّى اللّه عليه وآله وسلم واتخذت في الدنيا معه طريقا إلى الهداية . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 28 إلى 32 ] يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً ( 28 ) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولاً ( 29 ) وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً ( 30 ) وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً ( 31 ) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً ( 32 )