صديق الحسيني القنوجي البخاري

15

فتح البيان في مقاصد القرآن

رسوله موضحا لبطلان ما تقدم من قولهم يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ [ الفرقان : 7 ] فقال : وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ قال الزجاج : الجملة الواقعة بعد إلا صفة لموصوف محذوف والمعنى ما أرسلنا قبلك أحدا منهم إلا آكلين وماشين فأنت مثلهم في ذلك وقد قيل لهم مثل ما قيل لك ، وقال الفراء : لا محل لها من الإعراب إنما هي صلة لموصول محذوف والتقدير إلا من أنهم كما في قوله : إِلَّا وارِدُها [ مريم : 71 ] أي إلا من يردها ، وبه قال الكسائي وقال الزجاج : هذا خطأ لأن من الموصولة لا يجوز حذفها ، وقال ابن الأنباري : التقدير إلا وإنهم ، وقرىء إنهم بكسر إن لوجود اللام في خبرها وهو مجمع عليه عند النحاة . وقال المبرد : يجوز فيه الفتح ، قال النحاس : وأحسبه وهما . وقرىء يمشون مخففا ومثقلا . قال قتادة : يقول إن الرسل قبل محمد صلّى اللّه عليه وسلم كانوا بهذه المنزلة يأكلون ويمشون . وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً هذا الخطاب عام للناس ، وفيه تسلية له صلّى اللّه عليه وسلم أيضا ، فإنه أشرف الأشراف ، وقد ابتلى بأخس الأخساء ، وقد جعل سبحانه بعض عبيده فتنة لبعض ، فالصحيح فتنة للمريض ، والغني فتنة للفقير ، وقيل المراد بالبعض الأول كفار الأمم ، وبالبعض الثاني الرسل ، ومعنى الفتنة الابتلاء ، والمحنة . والأول أولى ، فإن البعض من الناس ممتحن بالبعض مبتلى به فالمريض يقول لم لم أجعل كالصحيح ؟ وكذا صاحب كل آفة ، والصحيح مبتلى بالمريض ، فلا يضجر منه ولا يحقره ، والغني مبتلى بالفقير يواسيه ، والفقير مبتلى بالغني يحسده ، ونحوه هذا مثله . وقيل المراد بالآية أنه كان إذا أراد الشريف أن يسلم ، ورأى الوضيع قد أسلم قبله ، أنف وقال : لا أسلم بعده فيكون له على السابقة والفضل ! فيقيم على كفره . فذلك افتتان بعضهم ببعض ، واختار هذا الفراء والزجاج ولا وجه لقصر الآية على هذا ؛ فإن هؤلاء إن كانوا سبب النزول فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . وقال الحسن في الآية : يقول الفقير لو شاء اللّه جعلني غنيا مثل فلان ، ويقول السقيم : لو شاء اللّه لجعلني صحيحا مثل فلان ويقول الأعمى : لو شاء اللّه لجعلني بصيرا مثل فلان . وعن أبي الدرداء أنه سمع النبي صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « ويل للعالم من الجاهل وويل للجاهل من العالم ، وويل للمالك من المملوك ، وويل للمملوك من المالك ، وويل للشديد من الضعيف وويل للضعيف من الشديد ، وويل للسلطان من الرعية ، وويل للرعية من السلطان بعضكم لبعض فتنة ، وهو قوله تعالى وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أسنده الثعلبي ثم قال سبحانه بعد الإخبار بجعل البعض فتنة للبعض : أَ تَصْبِرُونَ هذا الاستفهام للتقرير والتقدير : أتصبرون على ما ترون من هذه