صديق الحسيني القنوجي البخاري
16
فتح البيان في مقاصد القرآن
الحالة الشديدة والابتلاء العظيم فتؤجروا أم لا تصبرون فيزداد غمكم ، وعليه جرى الأكثرون وقيل : معنى أتصبرون اصبروا مثل قوله : فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [ المائدة : 91 ] أي انتهوا ، روى البخاري عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه قال : « انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة اللّه عليكم » « 1 » ثم وعد اللّه الصابرين بقوله : وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً أي بكل من يصبر ومن لا يصبر فيجازي كلّا منهما بما يستحقه . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 21 إلى 27 ] وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً ( 21 ) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً ( 22 ) وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً ( 23 ) أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً ( 24 ) وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً ( 25 ) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً ( 26 ) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ( 27 ) وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا هذه المقالة من جملة شبههم التي قدحوا بها في النبوة أي وقال : المشركون الذين لا يبالون بلقاء اللّه وقيل المعنى لا يخافون لقاء ربهم بالشر ، وهي لغة تهامة ، وأصل اللقاء الوصول إلى الشيء ومنه الرؤية فإنها وصول إلى المرئي ، والمراد به الوصول إلى جزائه ، ويمكن أن يراد به الرؤية على الأول ، قال الفراء : وضع الرجاء موضع الخوف . وقيل : لا يأملون لقاءنا بالخير لكفرهم بالبعث والحمل على المعنى الحقيقي أولى . فالمعنى لا يأملون لقاء ما وعدنا على الطاعة من الثواب ومعلوم أن من لا يرجو الثواب لا يخاف العقاب . لَوْ لا هلّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ فيخبروننا أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم صادق ، أو هلّا أنزلوا علينا رسلا يرسلهم اللّه أَوْ نَرى رَبَّنا عيانا فيخبرنا بأن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم رسول ، ثم أجاب اللّه سبحانه عن شبهتهم هذه فقال : لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً أي أضمروا الاستكبار عن الحق والعناد في قلوبهم كما في قوله تعالى : إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ [ غافر :
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الرقاق باب 30 ، ومسلم في الزهد حديث 9 ، والترمذي في اللباس باب 38 ، والقيامة باب 58 ، وابن ماجة في الزهد باب 9 ، وأحمد في المسند 2 / 254 ، 482 .