صديق الحسيني القنوجي البخاري
14
فتح البيان في مقاصد القرآن
مخلوقاتك ؛ وجعلوا ذلك ذريعة إلى ضلالهم ؛ عكس القضية ؛ وقيل المراد بنسيان الذكر ههنا ، هو ترك الشكر . وَكانُوا هؤلاء الذين أشركوا بك ، وعبدوا غيرك في قضائك الأزلي قَوْماً بُوراً أي هلكى ، قاله ابن عباس مأخوذ من البوار ، وهو الهلاك يقال رجل بائر ، وقوم بور ؛ يستوي فيه الواحد والجماعة ، لأنه مصدر يطلق على القليل والكثير ، أو جمع بائر ، وقيل البوار الفساد ، يقال : بارت بضاعته أي فسدت ، وأمر بائر ، أي فاسد ، وهي لغة الأزد . وقيل المعنى الأخير فيهم مأخوذ من بوار الأرض ، وهو تعطيلها من الزرع ، فلا يكون فيها خير ، وقيل إن البوار الكساد . ومنه بارت السلعة إذا كسدت ، وهذا كله يرجع إلى معنى الهلاك والفساد ثم يقال للكفار بطريق الخطاب عدولا عن الغيبة . فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ وفي الكلام حذف ، والتقدير فقال اللّه عند تبري المعبودين مخاطبا للمشركين العابدين لغير اللّه فقد كذبكم المعبودون ، وقرىء مخففا أي كذبوكم في قولهم « مما تقولون » أي في قولكم أنهم آلهة وهذه المفاجأة بالاحتجاج والإلزام حسنة رائعة ، وخاصة إذا انضم إليها الالتفات ، وحذف القول ، ونظيرها يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ ، إلى قوله : فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ [ المائدة : 19 ] وقول القائل : قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا * ثم القفول فقد جئنا خراسانا وقال ابن زيد : المعنى قد كذبوكم أيها المؤمنون ، هؤلاء الكفار بما جاء به محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم وعلى هذا فمعنى بما تقولون : بما تقولونه من الحق وقرىء فقد كذبوكم مخففا ، وبما يقولون بالتحتية أي كذبوكم في قولهم . فَما تَسْتَطِيعُونَ أيها الكفار صَرْفاً أي دفعا للعذاب عنكم بوجه من الوجوه وقيل حيلة وَلا نَصْراً أي نصركم ، وقرىء بالتحتية فالمعنى فما يستطيع آلهتكم أن يصرفوا عنكم العذاب أو ينصروكم ، وقيل المعنى فما يستطيع هؤلاء الكفار لما كذبهم المعبودون صرفا للعذاب الذي عذبهم اللّه به ولا نصرا من اللّه وقال أبو عبيد : المعنى فما يستطيعون لكم صرفا عن الحق الذي هداكم اللّه إليه ولا نصرا لأنفسهم بما ينزل بهم من العذاب بتكذيبهم إياكم وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً هذا وعيد لكل ظالم ويدخل تحتهم الذين فيهم السياق دخولا أوليا ، والعذاب الكبير عذاب النار ، وفسر الخلود فيها ، وهو يليق بالمشرك دون الفاسق إلا على قول المعتزلة والخوارج . وقرىء يذقه بالتحتية وهذه الآية وأمثالها مقيدة بعدم التوبة ، وعن الحسن قال : الظلم هو الشرك ، وقال ابن جريج : يظلم يشرك ثم يرجع سبحانه إلى خطاب