صديق الحسيني القنوجي البخاري
136
فتح البيان في مقاصد القرآن
الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها أي عرش بلقيس ، الذي تقدم وصفه بالعظم وكان سليمان إذ ذاك في بيت المقدس ، وعرشها في سبأ بلدة باليمن ، وبينها وبين القدس مسيرة شهرين قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ أي قبل أن تأتيني هي وقومها منقادين طائعين . قيل : إنما أراد سليمان أخذ عرشها قبل أن يصلوا إليه ويسلموا لأنهم حينئذ حربيون ، وإذا أسلمت وأسلم قومها لم يحل أخذ أموالهم بغير رضائهم لأن الإسلام يعصم مالهم . قال ابن عطية : وظاهر الروايات أن هذه المقالة من سليمان بعد مجيء هديتها ورده إياها وبعثه الهدهد بالكتاب ، وعلى هذا جمهور المتأولين . وقيل : استدعى العرش قبل وصولها ليريها القدرة التي هي من عند اللّه ، ويجعله دليلا على نبوته . وقيل : أراد أن يختبر عقلها ولهذا قال : نكروا لها عرشها كما سيأتي ، وقيل : أراد أن يختبر صدق الهدهد في وصفه للعرش بالعظم والقول الأول هو الذي عليه الأكثر . [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 39 إلى 41 ] قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ( 39 ) قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ( 40 ) قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَ تَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ ( 41 ) قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ وقرىء ( عفريه ) بفتح التحتية بعدها تاء تأنيث منقلبة هاء ، ورويت هذه عن أبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه ؛ وقرأ أبو حيان بفتح العين وهو شاذ ، والعفريت المارد الغليظ الشديد القوي . قال النحاس : يقال للشديد إذا كان معه خبث ودهاء ، عفر وعفريه وعفريت . وقال قتادة : هو الداهية ، وقيل : هو رئيس الجن ، وقال ابن عطية : وقرأت فرقة عفر بكسر العين جمعه على عفار . قال وهب : اسمه كوذي . وقال السهيلي : ذكوان ، وقيل : هو صخر المارد ، قاله ابن عباس ، وقيل : اسمه دعوان ، وكان مثل الجبل ، يضع قدمه عند منتهى طرفه ، وكان مسخرا لسليمان . أَنَا آتِيكَ بِهِ أي أنا سآتي بالعرش إليك مضارع أو اسم فاعل قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ أي مجلسك الذي تجلس فيه للحكومة بين الناس وهو من الغداة إلى نصف النهار وَإِنِّي عَلَيْهِ أي على حمله لَقَوِيٌّ أَمِينٌ على ما فيه من الجواهر وغيرها ، قال سليمان : أريد أسرع من ذلك . قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ المنزل على الأنبياء قبل سليمان كالتوراة التي