صديق الحسيني القنوجي البخاري
137
فتح البيان في مقاصد القرآن
أنزلت على موسى ، قال أكثر المفسرين : اسمه آصف بن برخيا بالمد وبالقصر ، وهو من بني إسرائيل ، وكان وزيرا لسليمان وصديقا له ، وقيل : كاتبه ، وكان من أولياء اللّه تظهر الخوارق على يديه كثيرا ، وقيل كان يعلم اسم اللّه الأعظم إذا سئل به أعطى ، وإذا دعي به أجاب ، قاله ابن عطية . وقالت فرقة : هو سليمان نفسه ، ويكون الخطاب على هذا للعفريت كأن سليمان استبطأ ما قاله العفريت ، فقال له هذه المقالة تحقيرا له ، وقيل : هو جبريل ، وقيل : ملك آخر . وقيل : الخضر ، وقد قيل غير ذلك مما لا أصل له والأول أولى . أَنَا آتِيكَ بِهِ أي بالعرش ، وقال مجاهد في قراءة ابن مسعود : أنا أنظر في كتاب ربي الخ ثم آتيك به قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ إذا نظرت به إلى شيء ما ، والمراد بالطرف تحريك الأجفان وفتحها للنظر ، وارتداده انضمامها ، ولكونه أمرا طبيعيا غير منوط بالقصد آثر الارتداد على الرد ، وفي القاموس إن الطرف كما يطلق على نظر العين يطلق على العين نفسها ، وقيل : هو بمعنى المطروف ، أي الشيء الذي ينظره ، وقيل : هو نفس الجفن عبر به عن سرعة الأمر كما تقول لصاحبك افعل ذلك في لحظة ، قاله مجاهد . وقال سعيد بن جبير : إنه قال لسليمان : انظر إلى السماء فما طرف حتى جاء به فوضعه بين يديه ، والمعنى حتى يعود إليك طرفك بعد مده إلى السماء ، والأول أولى هذه الأقوال ، ثم الثالث . قال ابن عباس : لم يجر عرش صاحبة سبأ بين الأرض والسماء ، ولكن انشقت به الأرض فجرى تحت الأرض حتى ظهر بين يدي سليمان ، وقال مجاهد : لما تكلم العالم بكلام دخل العرش في نفق تحت الأرض حتى خرج إليهم . فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قيل . في الآية حذف ، والتقدير فأذن له سليمان فدعا اللّه فأتى به ، فلما رأى سليمان العرش حاضرا لديه قالَ هذا أي حضور العرش وثبوته من غير تحرك وتقلقل مِنْ فَضْلِ رَبِّي وإحسانه . لِيَبْلُوَنِي أي ليختبرني ، وقيل : ليتعبدني وهو مجاز ، والأصل في الابتلاء : الاختيار أَ أَشْكُرُ اللّه بذلك واعترف بأنه من فضله من غير حول مني ولا قوة ، وأقوم بحقه أَمْ أَكْفُرُ بترك الشكر وعدم القيام به ، أو بأن أثبت لنفسي فعلا وتصرفا في ذلك ، وقال الأخفش : المعنى لينظر أشكر أم أكفر . وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ لأنه استحق بالشكر تمام النعمة ودوامها ، فإن الشكر قيد النعمة الموجودة وصيد النعمة المفقودة ، والمعنى أنه لا يرجع نفع ذلك وثوابه إلا إلى الشاكر .