صديق الحسيني القنوجي البخاري
135
فتح البيان في مقاصد القرآن
فَلَمَّا جاءَ رسولها المرسل بالهدية وهو منذر بن عمرو ، والمراد بهذا المضمر الجنس فلا ينافي كونهم جماعة كما يدل عليه قولها : بم يرجع المرسلون . وقرىء فلما جاءوا أي : الرسل سُلَيْمانَ قالَ أَ تُمِدُّونَنِ بِمالٍ مستأنفة والاستفهام للإنكار أي : قال منكرا لإمدادهم له بالمال ، مع علو سلطانه ، وكثرة ماله . فَما آتانِيَ اللَّهُ من النبوة والعلم والملك العظيم والأموال الكثيرة خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ من المال الذي هذه الهدية من جملته ، وهذا تعليل للنفي ، ثم إنه أضرب عن الإنكار المتقدم ، فقال توبيخا لهم بفرحهم بهذه الهدية فرح فخر وخيلاء : بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ وأما أنا فلا أفرح بها وليست في الدنيا من حاجتي لأن اللّه سبحانه قد أعطاني منها ما لم يعطه أحدا من العالمين ، ومع ذلك أكرمني بالنبوة والمراد بهذا الإضراب من سليمان بيان السبب الحامل لهم على الهدية مع الإزراء بهم ، والحط عليهم ، ثم قال سليمان للرسول : ارْجِعْ إِلَيْهِمْ أي إلى بلقيس وقومها بما أتيت به من الهدية ، وخاطب المفرد ههنا بعد خطابه للجماعة فيما قبل إما لأن الذي سيرجع هو الرسول فقط ، أو خص أمير الرسل بالخطاب هنا ، وخاطبهم معه فيما سبق افتنانا في الكلام . وقرىء ارجعوا وقيل : إن الضمير يرجع إلى الهدهد . واللام في فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ جواب قسم محذوف ، أي : واللّه إن لم يأتوني مسلمين لنأتينهم قال النحاس : وسمعت ابن كيسان يقول : هي لام توكيد ، ولام أمر ، ولام خفض . وهذا قول الحذاق من النحويين لأنهم يردون الشيء إلى أصله ، وهذا لا يتهيأ إلا لمن درب في العربية . بِجُنُودٍ لا قِبَلَ أي : لا طاقة لَهُمْ بِها وحقيقة القبل المقابلة والمقاومة ، أي لا يقدرون أن يقابلوهم . وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أي : من بلادهم وأرضهم التي هم فيها ، وهي سبأ حال كونهم أَذِلَّةً بعد أن كانوا أعزة وَهُمْ صاغِرُونَ هي حال ثانية مؤكدة للأولى ، لأن الصغار هو الذلة ، وقيل : إن المراد بالصغار هنا الأسر والاستعباد ، وقيل : إن الصغار الإهانة التي تسبب عنها الذلة . ولما رجع الرسول إلى بلقيس بالهدية تجهزت للمسير إلى سليمان لتنظر ما يأمرها به ، واخبر جبريل سليمان بذلك . قالَ سليمان لكل من هو عنده في قبضته من الجن والإنس وغيرهما : يا أَيُّهَا