صديق الحسيني القنوجي البخاري

129

فتح البيان في مقاصد القرآن

البديع ، وقد حسن وبدع لفظا ومعنى ههنا ، ألا ترى أنه لو وضع مكان بنبأ بخبر لكان المعنى صحيحا ، وهو كما جاء أصح لما في النبأ من الزيادة التي يطابقها وصف الحال ، فلما قال الهدهد لسليمان ما قال ، قال له سليمان : وما ذاك ؟ فقال : إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وهي بلقيس بنت شراحيل ، روي ذلك عن الحسن وقتادة وزهير بن محمد ، وعن ابن جريج أنها بنت ذي شرح ، وجدها الهدهد تملك أهل سبأ ، وكان أبوها ملك أرض اليمن ، ولم يكن له ولد غيرها ، فغلبت على الملك ، وكانت هي وقومها مجوسا يعبدون الشمس . والضمير في تملكهم راجع إلى سبأ ، على تأويل القوم ، وأهل المدينة ، والجملة هذه كالبيان والتفسير للجملة التي قبلها ، أي : ذلك النبأ اليقين هو كون هذه المرأة تملك هؤلاء . قال ابن عباس : اسمها بلقيس بنت ذي شيرة ، وكانت هلباء شعراء ، قيل : كانت من نسل يعرب بن قحطان ، وعن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إحدى أبوي بلقيس كان جنيا » ، أخرجه ابن عساكر ، وابن مردويه ، وأبو الشيخ وابن جرير . وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فيه مبالغة ، والمراد أنها أوتيت من كل شيء من الأشياء التي تحتاجها الملوك ، من الآلة والعدة ، وكان يخدمها النساء ، وهذا عام أريد به الخصوص ، وقيل : المعنى أوتيت من كل شيء في زمانها شيئا من أسباب الدنيا ، والمال والعدة ما يليق بحالها ، فحذف شيئا لأن الكلام قد دل عليه . وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ أي : سرير كبير ضخم ، وقيل : المراد بالعرش هنا الملك ، والأول أولى لقول سليمان : أيكم يأتيني بعرشها ؟ ووصفه بالعظم بالنسبة إليها وإلى أمثالها من ملوك الدنيا ، لأنه كما قيل : كان مضروبا من الذهب والفضة ، طوله ثمانون ذراعا ، وعرضه أربعون ذراعا ، وارتفاعه في السماء ثلاثون ذراعا ، مكللا بالدر والياقوت الأحمر ، والزبرجد الأخضر والزمرد . وأما وصف عرش اللّه بالعظيم ، فهو بالنسبة إلى جميع المخلوقات من السماوات والأرض وما بينهما ، فبينهما بون عظيم ، وفرق بين . قال ابن عطية : واللازم من الآية أنها امرأة ملكة على مدائن اليمن ، ذات ملك عظيم ، وسرير كبير ، وكانت كافرة من قوم كفار ، وعن ابن عباس قال : سرير كبير من ذهب ، وقوائمه من جواهر ولؤلؤ ، حسن الصنعة غالي الثمن . عليه سبعة أبيات على كل بيت باب مغلق . وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي يعبدونها متجاوزين عبادة اللّه سبحانه ، قيل : كانوا مجوسا ، وقيل : زنادقة ، و ( وجدت ) بمعنى لقيت وأصبت ؛ فتتعدى لواحد . وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ التي يعملونها وهي عبادة الشمس ، وسائر أعمال