صديق الحسيني القنوجي البخاري

125

فتح البيان في مقاصد القرآن

الأول حال مؤكدة ، لأنه قد فهم الضحك من التبسم ، وقيل : حال مقدرة ، لأن التبسم أول الضحك ، وقيل : لما كان الت بسم قد يكون للغضب كان الضحك مبينا له ، وقيل : إن ضحك الأنبياء هو الت بسم لا غير ، وعلى الثاني : مصدر منصوب بفعل محذوف . وكل من الت بسم والضحك والقهقهة انفتاح في الفم ، لكن الأول انفتاح بلا صوت أصلا ، والثاني مع صوت خفيف ، والثالث مع صوت قوي ، وكان ضحك سليمان تعجبا من قولها وفهمها واهتدائها إلى تحذير النمل ، أو فرحا لظهور عدله . وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي قد تقدم بيان معناه قريبا في قوله : فهم يوزعون ، قال في الكشاف : وحقيقة أوزعني اجعلني أزع شكر نعمتك عندي ، وأكفه وارتبطه لا ينفلت عني حتى لا أنفك شاكرا لك ، انتهى . قال الواحدي : أوزعني أي : ألهمني ، وبه قال قتادة ، وعن الحسن مثله ، يقال : فلان موزع بكذا ، أي : مولع به . قال القرطبي : وأصله من وزع فكأنه قال : كفني عما يسخطك ، انتهى . وقال الزجاج : معناه امنعني أن أكفر نعمتك ، وهو تفسير باللازم . أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ بها عَلَيَّ مفعول ثان لأوزعني ، أي من النبوة والملك والعلم . وَعَلى والِدَيَّ الدعاء منه بأن يوزعه اللّه شكر نعمته على والديه ، كما أوزعه شكر نعمته عليه ، لأن الإنعام عليهما إنعام عليه ، وذلك يستوجب الشكر منه للّه سبحانه . قال أهل الكتاب : وأمه هي زوجة أوريا بوزن قوتلا ، التي امتحن اللّه بها داود ، قاله القرطبي ، واللّه أعلم بصحته ، ثم طلب أن يضيف اللّه له لواحق نعمه إلى سوابقها ، ولا سيما النعم الدينية فقال : وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً في بقية عمري تَرْضاهُ مني ، ثم دعا أن يجعله اللّه سبحانه في الآخرة داخلا في زمرة الصالحين ، فإن ذلك هو الغاية التي يتعلق بها الطلب فقال : وَأَدْخِلْنِي الجنة بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ من النبيين أو صلحاء العباد ، والمعنى أدخلني في جملتهم ، وأثبت اسمي في أسمائهم واحشرني في زمرتهم إلى دار الصالحين وهي الجنة ، أو في بمعنى مع ، والصالح الكامل هو الذي لا يعصي اللّه ، ولا يفعل معصية ، ولا يهم بها ، وهذه درجة عاليه . اللهم وإني أدعوك بما دعاك به هذا النبي الكريم . فتقبل ذلك مني وتفضل علي به ، فإني وإن كنت مقصرا في العمل ، ففضلك الواسع هو سبب الفوز بالخير ، ورحمتك أرجى عندي من عملي ، فهذه الآية منادية بأعلى صوت ، وأوضح بيان بأن دخول الجنة التي هي دار المتقين بالتفضل منك لا بالعمل منهم ، كما قال رسولك الصادق المصدوق ، فيما ثبت عنه في الصحيح : « سددوا وقاربوا واعلموا أنه لن يدخل