صديق الحسيني القنوجي البخاري
126
فتح البيان في مقاصد القرآن
الجنة أحد بعمله ، قالوا : ولا أنت يا رسول اللّه ؟ قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني اللّه برحمته » « 1 » فإذا لم يكن إلا بفضلك الواسع فترك طلبه منك عجز ، والتفريط في التوسل إليك بالإيصال إليه تضييع . ثم شرع سبحانه في ذكر قصة بلقيس وما جرى بينها وبين سليمان وذلك بدلالة الهدهد فقال : وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ التفقد تطلب ما غاب عنك ، وتعرف أحواله . والطير اسم جنس لكل ما يطير ، والمعنى أنه تطلب ما فقد من الطير ، وتعرف حال ما غاب منها ، وكانت الطير تصحبه في سفره وتظله بأجنحتها . فَقالَ ما لِيَ وقرىء بسكون الياء لا أَرَى الْهُدْهُدَ أي ما للهدهد لا أراه ؟ فهذا من الكلام المقلوب الذي تستعمله العرب كثيرا . وقيل : لا حاجة إلى ادعاء القلب ، إذ المعنى صحيح بدونه ، بل هو استفهام واستخبار عن المانع له من رؤية الهدهد ، كأنه قال : ما لي لا أراه هل ذلك لساتر يستره عنه ؟ أو لشيء آخر ؟ قال الكلبي : ولم يكن له في مسيره إلا هدهد واحد ، والهدهد معروف . ثم ظهر له أنه غائب فقال : أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ فلم أره لغيبته ، و ( أم ) هي المنقطعة التي بمعنى الإضراب ، عن ابن عباس أنه سئل : كيف تفقد سليمان الهدهد من بين الطير ؟ فقال : إن سليمان نزل منزلا فلم يدر ما بعد الماء ، وكان الهدهد يدل سليمان على الماء ، فأراد أن يسأله عنه ففقده ، قال سعيد بن جبير : لما ذكر ابن عباس رضي اللّه عنه هذا قيل له : كيف ذلك : والهدهد ينصب له الفخ يلقى عليه التراب ويضع له الصبي الحباله فيغيبها فيصيده فقال : إذا جاء القضاء ، ونزل القدر ، ذهب اللب ، وعمي البصر ، فلما تحقق الغيبة قال : لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً اختلفوا في هذا العذاب الشديد ما هو ؟ فقال ابن عباس ومجاهد وابن جريج : هو أن ينتف ريشه جميعا وروي نحو هذا عن جماعة من التابعين ؛ وقال يزيد بن رومان : هو أن ينتف ريش جناحيه وقيل : يحبسه مع أضداده ، وقيل : أن يمنعه من خدمته وقيل : إلقاءه في الشمس وقيل : التفريق بينه وبين إلفه . وقيل : إلزامه خدمة أقرانه . وقيل : إيداعه في القفص . وقيل : طرحه بين يدي النمل
--> ( 1 ) روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة ، أخرجه البخاري في الرقاق باب 18 ، والمرضى باب 19 ، ومسلم في المنافقين حديث 71 - 73 ، 75 ، 76 ، 78 ، وابن ماجة في الزهد باب 20 ، والدارمي في الرقاق باب 24 ، وأحمد في المسند 2 / 235 ، 256 ، 264 ، 319 ، 326 ، 344 ، 386 ، 390 ، 452 ، 466 ، 469 ، 473 ، 482 ، 488 ، 495 ، 503 ، 509 ، 514 ، 519 ، 524 ، 537 ، 3 / 52 ، 337 ، 362 ، 6 / 125 .