صديق الحسيني القنوجي البخاري
123
فتح البيان في مقاصد القرآن
الموكل بالصفوف ، يزع من تقدم منهم أي يرده ، وجمعه وزعة : وقيل : هو من التوزيع بمعنى التفريق ، يقال : القوم أوزاع ، أي طوائف . وقال ابن عباس : يوزعون يدفعون . وعنه قال : لكل صف وزعة ، ترد أولاها على أخرها ، لئلا تتقدمها في السير كما يصنع الملوك وفي الآية دليل على اتخاذ الأئمة والحكام وزعة ، يكفون الناس ويمنعونهم من تطاول بعضهم على بعض ، إذ لا يمكن الحكام ذلك بأنفسهم . قال الحسن : لا بد للناس من وازع أي سلطان يكفهم . حَتَّى إِذا أَتَوْا حتى هي التي يبتدأ بعدها الكلام ؛ وتكون غاية لما قبلها والمعنى فهم يوزعون إلى حضور هذه الغاية ، وهي إتيانهم عَلى وادِ النَّمْلِ أي : فهم يسيرون ممنوعا بعضهم من مفارقة بعض ، حتى إذا أتوا على مكان فيه نمل كثير ، وعدّى ب ( على ) لأنهم كانوا محمولين على الريح ، فهم مستعلون والمعنى أنهم قطعوا الوادي وبلغوا آخره ، قال كعب : وادي النمل بالطائف . وقال قتادة ومقاتل : هو بالشام ، والنمل حيوان معروف شديد الإحساس والشم ، حتى إنه يشم للشيء من بعيد ، ويدخر قوته ، ومن شدة إدراكه أنه يفلق الحبة فلقتين خوفا من الإنبات ويفلق حبة الكسبرة أربع فلق ، لأنها إذا فلقت فلقتين نبتت ، ويأكل في عامه نصف ما جمع ويستبقي باقيه عدة . ووقف القراء جميعهم على ( واد ) بدون ياء اتباعا للرسم ، حيث لم يحذف لالتقاء الساكنين ، كقوله : الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ [ الفجر : 9 ] ، إلا الكسائي ، فإنه وقف بالياء ، قال : لأن الموجب للحذف إنما هو التقاء الساكنين بالوصل . قالَتْ نَمْلَةٌ ملكة النمل ، على وجه النصيحة قولا مشتملا على حروف وأصوات ، وكانت عرجاء ذات جناحين ، وهي من الحيوانات التي تدخل الجنة ، قاله سليمان الجمل . قيل : وكانت أنثى بدليل تأنيث الفعل المسند إليها ، وبه قال أبو حنيفة ، ورد هذا أبو حيان فقال : لحاق التاء في ( قالت ) لا يدل على أن النملة مؤنثة ، بل يصح أن يقال في المذكر قالت ، لأن نملة وإن كانت بالتاء فإنها مما لا يتميز فيه المذكر من المؤنث ، بتذكير الفعل ولا بتأنيثه ، بل يتميز بالإخبار عنه بأنه ذكر أو أنثى ، ولا يتعلق بمثل هذا كثير فائدة ، ولا بالتعرض لاسم النملة ، ولا بذكر القصص الموضوعة ، والأحاديث المكذوبة . وقرىء النمل والنملة بزنة رجل وسمرة ، وقرىء بضمتين فيهما ، ثم قيل : نمل هذا الوادي صغار ، وهو النمل المعروف ، أو كبار كالبخاتي أو كالذئاب ، والأول هو المشهور والجملة جواب ( إذ ) كأنا لما رأتهم متوجهين إلى الوادي فرت ونبهت سائر النمل منادية لها قائلة : يا أَيُّهَا النَّمْلُ وقد اشتمل هذا القول منها على أحد عشر نوعا من البلاغة :